"قل يا أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمة سواءٍ..."
الحضارة كتابٌ... وريادةُ العالم لا تكون إلاَّ عبرَ الكتاب
أسفار أوروبا
محمد باباعمي
6/25/20261 min read
بسم الله الرحمن الرحيم
"قل يا أهل الكتاب، تعالوا إلى كلمة سواءٍ..."
الحضارة كتابٌ... وريادةُ العالم لا تكون إلاَّ عبرَ الكتاب
لم أكن أعلم، يوم ألَّفتُ كتابي "مطارحة معرفية مع بابا الفاتيكان، بنديكت السادس عشر"، أني يوما ما سأتجوَّل بين أروقة "القلب النابض للكنيسة الكاثوليكية والمسيحية الغربية"، حيث كان "البابا بنديكت يقيم قدَّاسه كلَّ يوم أحدٍ"، ويحضره عشرات الآلاف من المصلّين؛ ومن حيث ألقى بتصريحه الجائر، وقال فيه: "إنَّ الإسلام دينٌ يصادم العقلَ، وإنَّ المسيحية، للسند العقليّ الإغريقيّ الذي حظيت به، هي ديانةٌ عقليةٌ بكل الدلالات التاريخية، والابستمولوجية، والمصطلحية، والمنطقية".
لم أكن أعلم، أني سأدخل صرح الفاتيكان، لا زائرا وسائحًا، مع اعتقادي أنَّ السفر والسياحة عبادةٌ، بخاصَّة لمن يشتغل بالفكر والحضارة؛ ومرَّة أخرى أحيل إلى مفدي زكريا الذي قال شعرًا، ما أرويه نثرًا: "لولا التنقُّل يُذكي فؤادي، ويبلو رشادي، لغاضَ معيني، وأجبل فكري، وعشتُ بليدا كبعض العباد"...
وإنما دخلتُ الفاتيكان، من بابه الواسع، من مكتبته التي كانت يومًا ما أكبر مكتبة في العالم؛ ولا تزالُ أكثر مكتبات العالم أهميَّة وغُموضًا؛ كيف لا وهي وريثةُ مكتبات الأندلس والقسطنطينية، وروما وبافاريا، وكذا مكتباتِ المستعمرات الشرقيَّة، وعلى رأسها البلادُ العربية والإسلامية.
لم تنتقل الحضارة من بلاد الإسلام إلى بلاد الغرب إلاَّ يومَ قرَّر القادة الدينيون والسياسيون على السواء، أن يوفدوا الطلبة إلى الأندلس، والقسطنطينية، وبغداد، والقاهرة، والشام، وبخارى، وسمرقند، والري... وأن ينكبُّوا على المصادر الأساسية، ينسُخونها، ويترجمونها، ويعلّقون عليها، وينشؤون كتبًا على منوالها؛ والكثيرُ منها، كما حقَّق البروفيسور فؤاد سزكين رحمه الله، انتحلوها، ونسبوها لغير مؤلفيها.
أمَّا اليومَ، فلكي تنتقل الحضارة – بل المدنية - مرَّة أخرى من الغرب إلى الشرق؛ من العالم المسيحي إلى العالم الإسلامي؛ فلا بدَّ أن تمرَّ عبر بوَّابة المكتبة، والمدرسة، والجامعة، ومركز البحث العلمي... وأحسبُ أنَّ العالـَم الأصفر الصينيَّ قد فهم ذلك، وأوفد آلاف الدارسين والباحثين إلى عواصم أوروبا وأمريكا وأستراليا؛ أمَّا الشرق، فلا يزال يوفد الباحثين والطلبة للحصول على العلوم العقليَّة الوظيفيَّة، وهي ولا ريب ذاتُ أهمية قُصوى؛ غير أنه يغفل عن إيفاد الطلبة لدراسة الغرب حضاريًّا، وثقافيًّا، وفكريًّا، ولغويًّا، وتاريخيًّا، واجتماعيًّا، ونفسيًّا...
طالبُ العلوم الإنسانية في عالمنا الشرقيّ، يـُحشر في زاوية "دراسة الشرق والشرق وحده"؛ وإذا ما تجرَّأ أن يسأل عن "الغرب"، وحاول أن يفهم "الغرب"؛ لقي ما لقيه المسيريُّ رحمه الله من حصار وخناق؛ فالغرب قرَّر أن يكون دارسًا لا مدروسًا، منهجًا لا موضوعًا، سيّدا لا مسودًا؛ في جميع المجالات، ومِن أعظمها وأشدها خطرا مجالُ العلم والمعرفة.
ينبغي أن نصدُق أنفسنا، ونقرَّ أنَّ العالم الإسلامي منذ هُدمت "بيت الحكمة" في بغداد، ومن يوم فقدت "مكتبة الأزهر" ألَقها، وصارت "الزيتونة مجرَّد مزار للسواح"، وتحوَّلت "بجاية" إلى أطلالٍ، وفصلت "مكَّة والمدينة" بين الجامع والجامعة... مِن يومها لم نقدر أن نؤسّس مكتبة تضاهي مكتبات: الفاتيكان، ولندن، وباريس، وليدن، وفرانكفورت، والكونغرس... وغيرها كثير.
نعم، ثمة مكتباتٌ كبيرة مبنًى، منسَّقة شكلاً؛ لكنَّ المحتوى، ومنسوبَ البحث، ونوعيَّة الرواد، والمواضيع التي تُطرق، وحدَّ الاهتمام الحكومي والشعبي، وشكل الاستقبال والتنظيم... كلُّ ذلك بقي عندنا في مستواه البدائي، ولعلي أستثني من ذلك، مكتبات إيران وتركيا، فهي إلى حدٍّ ما تتفوَّق على المدينة المنورة، والشام، والقاهرة، وتونس، والجزائر، والمغرب، والدوحة... وغيرها.
ومن عجبٍ أنَّ نظام مكتبة الفاتيكان يفوق التصوُّر، فهو نظام أشبهُ ما يكون بنظام إدارة المحطات النووية؛ فالدخول غيرُ مسموح إلاَّ لمن له درجة البروفيسور، ولمن أرسل من قِبل جهةٍ موثوقةٍ؛ على أن يقدّم طلبًا رقميًّا سابقًا؛ وحين يُفتح له الملف، ويتمُّ قبولُه، يسلَّم بطاقةً بها شريحةٌ إلكترونية، بحيث يُصبح كلُّ تنقُّله مراقبٌ آليًّا، خاضع للتفتيش الإلكتروني بلا إزعاجٍ...
ولكن، ينبغي أن أعترف أنَّه بعدَ القبول؛ يلقى الباحثُ عنايةً خاصَّة، ويجد مجالاً واسعًا من الخدمة والتسهيل، ومن الاحترام والتبجيل؛ ويحسُّ وهو يتنقَّل بين أرفف المكتبة أنَّه قد ارتقى إلى مصافّ العلماء الكبار، الذين عمروا بخارى وسمرقند، وبغداد والقاهرة، يوما ما.
وعودٌ على بدءٍ؛ في مكتبة الفاتيكان قسمٌ للمخطوطات، وقسمٌ للوثائق، وقسمٌ للمطبوعات... وتشير الإحصائيات إلى أنَّ عدد العناوين يفوقُ 2.6 مليون كتاب مطبوع، و82 ألف مخطوط، وأمَّا الوثائق السرّية، فطول الأرفُف التي تشغلها يزيد على 80 كلم خطيًّا.
إذا لم تنتقل البحوث في عالمنا العربي إلى "مستوى عالمية الإسلام"، وإذا ما بقيت في "ترديد الصدى"، و"اجترار المجتر"، وفي "حوار الطرشان" داخل البيت الإسلامي: تفسيقًا، وتبديعًا، وتسفيهًا، وتحقيرًا... وإذا لم تتحوَّل إلى مدَى "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم": أن لا نعبد إلاَّ الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتَّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله...
إذا لم نفعل، وإذا ما خلت مكتباتنا من القرَّاء، وطال النظر لدى شبابنا وكهولنا وشيوخنا إلى الشاشات الصغير والكبيرة؛ واتخذوا مصادر العلم وراءهم ظهريا... إذا، وإذا، وإذا... فلا داعي إلى التبجُّح، ولا الادعاء، ولا إلى ألقاء الخطب الرنانة، والكلمات الطنانة... ذلك، أنَّ الإسلام – على خلاف ما افتراه به "البابا بنديكت" – دينُ علم، وعقل، ونقد، وبحث، ورقي، وحضارة...
فالحضارة كتابٌ، والثقافة كتابٌ، والحياة كتابٌ...
ولمن أراد أن يكون رائد العالم، وسيَّد العالمين، وشهيدا على الناس... فلا مفرَّ أن يمرَّ عبر الكتاب، ولعلَّ هذا من معاني قوله تعالى لنبيه الكريم يحي عليه السلام: "يا يحي خذ الكتاب بقوَّة"...
وهو من دلالات تسمية أتباع الديانات السماوية "أهل الكتاب"؛ وتسمية المسلمين: "أهلَ القرآن، وأهل الفرقان، وأهل الكتاب"، بل "أهل اقرأ"، و"أهل نون والقلم وما يسطُرون"...ولا حصر.
د. محمد بن موسى باباعمي
مستشار معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان
من روما، ومن مكتبة الفاتكيان، دولة الفاتيكان
سحر الاثنين 8 محرم 1448ه/23 يونيو (جوان) 2026م
-------
ملاحظة: نُشر الكتاب مرَّتين، الأولى في الجزائر، في دار ثريا، عام 2006م، بهذا العنوان: "مطارحة معرفية"، والثانية في دار صفحات في سورية، عام 2011م؛ بعنوان مختلف، وهو: "الإسلام وصراع الحضارات". ولله الحمد، لقي الكتاب قبولا عند القرَّاء، نسأله تعالى أن يتقبَّله عنده بقبول حسنٍ.
