الشيخ عدون: السهل الممتنع
"بذكرك يا والدي يتسع الزمان والمكان، ويعبق العقل والجَنان، فينطلق في المدح اللسان"
د.محمد باباعمي
2/18/20251 min read


الشيخ عدون: السهل الممتنع
"بذكرك يا والدي يتسع الزمان والمكان، ويعبق العقل والجَنان، فينطلق في المدح اللسان"
ابنك محمد بن موسى باباعمي
من قمَّة "جبل شمس" في عُمان، حيث البرودة تقترب من الصفر؛ وهي حالة نادرةٌ المثال في بلدِ الأمان عُمان؛ ما بين أشجار الرمَّان والعلعلان، وعلى نغمات صوت البلابل والوعلان؛ ضمن فعالية رسمية للرصد الفلكي والاستطلاع؛ تجمع وزراء ووكلاء، وفقهاء وعلماء، واستدعي ولاةً وقضاةً؛ من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، ووزارات وولايات أخرى لها علاقة بشأن التقويم واستطلاع الأهلة في عمان...
من هنالك، وفي خضم تلكم الأجواء الطيبة، أفرغتُ وقتا ثمينًا، واستفرغت جهدا عزيزًا، للكتابة عن الوالد الروحي، فضيلة الشيخ عدون رحمه الله تعالى؛ مخافة أن أغيب فتضيع مني بركاُت الشيخ ونفحاتُه؛ ولقد سبق لي أن كتبتُ عن الشيخ عدون ما نُشر في جرائد ومجلاَّت، وفي مناشير وكتبٍ؛ ولذا فضَّلت اليومَ الكتابةَ الانطباعية العفوية، على الكتابة الرسمية التوثيقية؛ ولا ريب أنَّ العلماء والباحثين الذين هم في مسافة الصفر مع الوثائق ومصادر المعلومة، هم أجدر مني في ذلك، وهم أقوم قيلاً، واللهَ نسأله القبول والتوفيق؛ وهو الذي يجازي على الاجتهاد ما لا يجازي على الثمرات.
الحقُّ أني وجدتُ الكثير من أوجه الشبه بين "جبل شمس" و"الشيخ عدون":
فكلاهما شاهق شامخ؛ وكلاهما علمٌ على رأسه نارٌ، وكلاهما له الأثر الطيب في سياقه وهو غير متأثر به؛ وكلاهما متسامحٌ رحبُ الصدر؛ وكلاهما جميلٌ جمال الفطرة والوقار؛ وكلاهما لا يصل إلى ذروته إلاَّ من بذل جهدا وجاهد نفسه على صعود الجبال، ونأى بنفسه أن يعيش بين الحفر؛ وكلاهما يدعي مَن حوله وصلاً به وقربًا لينسب إليه وينال بركاته؛ وكلاهما خالد الذكر له من الله لسان صدق في الآخرين...
ولو شئت لعدَّدت ما لا يحصى من أوجُه الشبه، ومن أوجه الاختلاف كذلك؛ وعادةُ الشعراء توظيف الجبال توظيفا جماليَّا عادةٌ قديمة، ومثال ذلك:
رثاء الخنساء لأخيها صخرا، في قولها:
وَإِنَّ صَخرًا لتأتـمُّ الهُداة به *** كَأَنَّهُ علمٌ في رأسه نــــــار
حتى غدا هذا البيت مثلاً، وقيل: "فلانٌ أشهر من نارٍ على علم".
وفي قصيدة لأحمد فارس الشدياق، مطلعها:
أرى القول يحلو بذكر الرجالِ *** وليس بذكر ذوات الدَّلالِ
يقول:
وليس لكم غيرَه من ملاذٌ *** ولو كنتم في أعزّ الجبال
أمَّا مفدي زكرياء فيُقسم في النشيد "بالجبال الشامخات الشاهقات"، وهو لمن يفهم المجاز يقسم بربها وخالقها وباريها؛ وفي الإلياذة يقول:
وفي جبل الوحش تاهت بلادي *** شمـوخا فأحنى الزمان لها
فلـو شاء ربُّك وصفَ الجنـا *** ن، ليــُـغري الأنام بهـــا شبَّها
وإني وأنا أخطُّ شهادتي عن والدي؛ لا يُطلب مني أن أكون "موضوعيًّا" فالموضوعية سرابٌ ومصيدةٌ، حبَكها الأقوياء ليُغروا بها الضعفاء؛ فأيُّ موضوعية تسمح لي أن أحشر شاذًّا خُلقيًّا (حتى لا أقول جنسيًّا)، مع الكتَّاب الكبار، ومع الأدباء الأخيار؛ أو حتى مع العظماء الذين قادوا العالم، وأثروا في البشرية؟ ولا أريد أن أمثل بـ: دافنشي، وتشايكوفسكي، وأوسكار وايلد، ولورانس العرب، وأندريه جيد... وغيرهم كثير.
أنا في وصفي لوالدي الشيخ عدون "ذاتيٌّ" متمحّض الذاتية، "متحيّز" إلى النخاع بأريحية؛ وقد كانت محاضرتي في المؤتمر التأبيني الكبير، تأبينية الشيخ عدون في معهد الحياة بالقرارة، عن "التحيُّز في فكر الشيخ عدون: بين النزعة المحلية والرؤية الحضارية"؛ ومما قلته يومها (عام 1429ه/2008م):
"الشيخ عدون رائدٌ لا يكذب أهله، وأمَّةٌ في لوحده، عاش حياته – الطويلة – لله، وفي كنف الله، سعيدا بما أعطاه، راضٍ فيما ابتلاه، مجتهدا دوما للمزيد من المبرات والإنجازات... فترك لنا مدرسةً فكريةً إيمانيةً، عليها اليوم يقعُ الحمل في إصلاح الأمَّة، والأخذِ بيدها إلى درجة التمكين، وجماعُ ذلك كله مقولته الشهيرة، التي قالها لي أونا؛ مقالته التي أصبحت مثلا سائرا: "إننا أوجدنا حلولا لعصرنا، فعليكم أنتم أن توجدوا حلولا لعصركم".
ولو رُمنا إلصاق وصفٍ تشريفي، أو لقبٍ تكريمي، للشيخ عدون، من مثل: الرائد، أو القائد، أو المصلح، أو الإمام، أو العلامة... لوجدنا اختلافًا كبيرا، واضطرابا شديدًا؛ ذلك أنَّ هذه الصفات تليق به، ولكنُّه لا يليق بها؛ ولذا فاستعارة وصف الأبوة هو الخيار الأمثلُ؛ ولئن كانت تلكم الألقاب مما يقلَّده المقلّدون، ويجتهد في سبيله المجتهدون؛ فإنَّ صفة الأبوة لا تقلَّد ولا تورَّث، إنها منحة ربانية، وهدية رحمانية، وبركة رحموتية:
أولم يقسم الله تعالى بهذه العلاقة قائلا: "لا أقسم بهذا الولد، ووالد وما ولد"؟!؛
أولم يقل عن سيدنا إبراهيم عليه السلام ﷺ: "ملَّة أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين من قبل"؛
أولم يكن نفيُ الأبوَّة الدموية عن رسول البرية وخاتم النبيين محمد ﷺ إثباتا للأبوة المعنوية والروحية والتوحيدية؛ فهو تعالى إذ يقول: "ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين"؛ يقول على إثره: "النبيء أولى بالمسلمين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم".
ولقد روى أبو داود عن أبي هريرة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنـَّما أنا لكم بمنزلة الوالد، أعلّمكم؛ فإذا أتى أحدُكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ولا يستطب بيمينه".
كذلك كان الوالد الشيخ عدون بالنسبة لي، وبالنسبة لكل من عرفه مثلي أو أكثر مني؛ لا ترى فيه صورةَ الهيبة التي يوصف بها الزعماءُ، شأن ما كان عليه العلامة الشيخ بيوض رحمه الله؛ وإنما ترى فيه صفة الحنو والرفق والقرب؛ وكم من مرَّة جلست إليه فأغراني بالاهتمام بي؛ وبالصمت والاستماع إلى ما أقول، وبالإشادة بما أنجزت سواء في جمعية التراث، أم في معهد الحياة، من عمل هزيل قليلٍ وأنا المقصّر الفقير.
وأذكر أنَّ أحد الباحثين الشباب، في ملتقى للقرآن الكريم في القرارة، ضمن مشروع "المطياف القرآني" دعوناه لجلسة التحكيم؛ ونظمنا زيارةً قصيرة للوالد الشيخ عدون، فلمَّا دخلنا عليه، وكانت أوَّلَ زيارة لهذا الباحث إلى الشيخ في حياته؛ فأولاه الشيخ عناية، وأشاد بكتابٍ له كان قد طبع ونشر، وقال له: "لقد قرأته، وإنه لعمل جيد"... فخرج ذلك الشاب الباحث من عند الشيخ، وهو يقول: "أوَّل مرَّة في حياتي أجد هذه العناية من عالم وشيخ لما كتبت، وإني لم أستوعب ما وقع، وأنا تحت الصدمة" فكانت له هذه الحادثة تحولا جذريا في حياته.
فمن ذا الذي، يستطيع أن يفعل ما فعله الشيخ بي وبهذا الشاب؛ وهذا الذي يعزز اختيار وصف "السهل الممتنع" لوالدنا وشيخنا الشيخ عدون رحمه الله.
وأبسط تعريف في القواميس للسهل الممتنع أنه "الذي لا يمكن تقليدُه أو مضاهاته، ما يحتاج إلى رويَّة وتدبُّر". هذا عند أهل اللغة، أمَّا عند أهل الفكر، فالسهل الممتنع هو " النشاط الفكري المركَّز الذي يبدو سهلا في البادئ، ويصعب تحقيقه ويستعصي إكماله عند محاولة التحقيق".
والذي أعنيه من وصف "السهل الممتنع" للوالد الشيخ عدون؛ لا يختلف عن معناه عند اللغويين والمفكرين؛ فالشيخ كان قريبا مني ومن كل من عرفه؛ ليس ذلكم القرب المبتذل، الذي يسقط الكلفة ويبعث على الإسفاف والكلام العامي التافه...
وإنَّ الواحد منَّا لو حاول أن يقترب جدا من الناس لصدمته عند البعض منهم الوقاحة واللجاجة وسوء التقدير؛ ولو أنه حاول الارتفاع والبعد عن الناس، لوجد منهم الخوف والجفاء والجفوة؛ لكن أن تكون قريبا وتحافظ على الوقار والقدر العالي؛ فذاك ما لا يواتي غالبا؛ ولقد كان أستاذي الفيلسوف الشيخ كنطابلي رحمه الله يتمثل قصيدة أبي الحسن الجرجاني، فحفظتها منه؛ وكأنه يشير إلى هذا المعنى؛ إذ يقول:
يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما*** رأوا رجلاً عن موقفِ الذلِّ أحجما
أرى الناسَ من داناهُمُ هان عندهم***ومن أكرَمته عزةُ النفسِ أكرِما
ولم أقضِ حَقَّ العلمِ إن كان كُلَّمَا***بــــــــــــــــــــــــــدا طَمَعٌ صَيَّرتُه لي سُلَّما
وما زلتُ مُنحازاً بعرضيَ جانباً***من الــــــــــــــــــــــذلِّ أعتدُّ الصيانةَ مَغنما
إذا قيلَ هذا مَنهلٌ قلتُ قد أرى***ولكنَّ نفسَ الحرِّ تَحتَملَ الظَّمَا
وانظر إذا شئت أخي السامع والقارئ، إلى خُطب الشيخ عدون، وإلى كلماته في المناسبات المختلفة، مثل مناسبة المعايدة، أو ختم القرآن، أو حفل آخر السنة بالمعهد؛ بل واقرأ ما كتبه في مختلف الجرائد، من جريدة الشباب إلى مجلة الحياة؛ مرورا بجرائد رائد الصحافة الشيخ أبي اليقظان رحمه الله.
سوف تجد الشيخ عدون أقلَّ الحضور كلامًا، وأكثرهم إنصاتًا؛ ولكنَّك تعجب حين تكتشف أنه أكثرهم تأثيرا، وأبلغهم حكمة، وأوسعهم أفقا، وأحناهم قلبًا، وأسخاهم يدا، وأشدهم التزاما، وأسرعهم استجابة، وأوفرهم حظا...
وحتى في كلامه أو كتابته، وهو العالم العارف بخبايا اللغة؛ لا تجده ينتقي الألفاظ، أو ينمق الجمل، أو يتكلف السجع... فهو لا يستعرض معلوماته على السامعين، ولا يعرض براعته على القارئين؛ إنه يعبر عما يختلج في ذهنه، بصدق وإخلاص، وببيان ووضوح، بإيجاز وإعجاز بالغيْن؛ وعينه تقع على عين الله سبحانه، وهو يردد بلا كلال ولا ملال: "الإخلاص، ثم الإخلاص، ثم الإخلاص..."؛ ولقد صدق من قال عنه: "إنه الإخلاص يمشي على رجلين".
وما أروع ما أنشد أستاذي سيد الشعراء وإمامهم، الدكتور محمد ناصر، في قصيدته: "قصيدة: إلى مربي الجيل، الأب الروحي الشيخ عدون":
جلَّ الذي أعطاك بركاته، وأفاض كأس الخير حولك حاتميَّة
لقــــــاك من ربي نعيمٌ دائمٌ، في جنة أفياؤها أبــــــــــــــــــــــــــدا سخيَّة
أبتاه، مهما حلَّقتْ بالشعر أخيلتي، فدون سَماك آفاقٌ عليَّة
اقتداء بأستاذي، وأسوة بوالدي؛ أتكلَّف الإيجاز؛ وأنهي كلماتي؛ لأعود إلى أجواء "جبل شمس" منشدا مع أبي مسلم البهلاني حسان عمان قوله في مرثيته لقطب الأيمة رحمهما الله، التي بلغت الآيةَ في الجمال والجلال؛ وأنا اليوم أرسلها هدية اعتذار لروح والدي على قصري وتقصيري؛ ولا تفارق مخيلتي ساعةٌ جمعتني به في مكتبه وصالون بيته، وقد زمجرت الريح – ريح القرارة – وتطايرت الأتربة عاليًا، ثم انقطعت الكهرباء؛ فأظلم المكان، وأضاء الزمان...
وتذكرت يومها مقولة المفكر علي عزت بيجوفيتش: "في السجن يضيق المكان ويتسع الزمان"، وقلت على إثرها: "في غمرة الحياة يتسع المكان، ويضيق الزمان"؛ وأقول اليوم:
"إلى جوار والدي الروحي الشيخ عدون، يتسع المكان والزمان، وبذكره يعبق بأنواع العطور العقل ويزهو الجنان"، فينطلق اللسان مع أبي مسلم منشدا، في قصيدته التي استهلها بقوله:
عش ما تشاء وراقب فَجعة الأجل *** سينقضي العمر في بطء وفي عجل
قال لا فض فوه، مخاطبا القطب والشيخ عدون على إثره، وقد مسح على رأسه يوما، وهو ابن ثمانٍ:
وأودعوك ترابا لو تفوز به *** حـــــــــــــــــور الجنان لأفنته من القبل
خذوا بأيد قصار إنها بكمو *** تطول وانتشلونا من هوى الفشل
توجهوا لجمال الله وانتدبوا *** لغــــــــــــــــــوث يا أولياء الله في عجل
صلى الاله على أرواحكم وسقى *** أجداثكــــــم رحمة بالرائث الهمل
د. محمد بن موسى باباعمي، مستشار البحوث والدراسات
وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان
جبل شمس، يوم الأربعاء 27 ربيع الثاني 1446ه/30 أكتوبر 2024م