بين ألمانيا والنمسا، بين فرانكفورت وفيينا

حيث تتوقف عجلة الزمن

د. محمد باباعمي

5/19/20261 min read

على متن طائرة الخطوط الجوية النمسوية Air Austrian والطائرة تستعدُّ للهبوط في فيينا، أجد إحساسا غريبا، حيث أبلغني الله تعالى حلما لطالما راودني، أن أطأ برجلي مواطن تاريخ العلوم، وألج الأماكن التي طبخ فيها، فمن "كارل بوبر" إلى "إرون شرودنغر"، ومن "منطق الكشف العلمي" إلى مؤلفات "جماعة فيينا" أصحاب المدرسة الوضعية برئاسة شليك، والقائمة طويلة؛ غير أنَّ الذي يثيرني أكثر هو من أقرُّ له بالأبوة في "تاريخ العلوم"، أعني "فؤاد سزكين"؛ وكذا أساتذته على رأسهم "هلموت روتر".

ولكن، قبل ذلك، تعود بي الذكرى إلى "حصار فيينا" الأول عام 539 ه/ 9955 م، والحصار الثاني بعد 991 عاما أي عام 9151 م/ 9863 م؛ في عهد السلطان سليمان القانوني، ثم ؛ ولو أنَّ العثمانيين المسلمين اخترقوا فيينا لكانت أوروبا كلها مسلمة؛ لكن بسبب خيانة القائد مراد غيراي التتاري الذي ترك قوَّة المسيحيين تمرُّ من الجسر الوحيد الذي يؤدي إلى فيينا، فدخلوها من وراء الجيش الإسلامي، وقتلوا المسلمين كلهم؛ ولا تزال معالم هذا الحصار ظاهرة وحيَّة في ذاكرة أهالي فيينا إلى اليوم؛ ومن ذلك أنَّ أكبر كنيسة بها "كاتدرائية سانت ستيفن" (Stephansdom) ، بها جرس يعرف بجرس "بوميرين" (Pummerin) ؛ وزنه عشرون طنا من الحديد المذوب من سلاح المسلمين المنهزمين، ليكون يوميا منبها لخطورة عودة المسلمين إذا لم يجتهد أهالي فيينا.

والحق أني أحترم من يعرف عدوَّه، فهم قد عرفوا عدوهم؛ أمَّا من يجهل عدوَّه، ويمنح سجَّانه مفتاح سجنه، فذاك ليس أهلا لأن يذكره التاريخ.

ومن كان يظنُّ أنَّ الحلم يتحقَّق؛ ولكني أثق في الله تعالى، وألوذ بالدعاء، واتخاذ الأسباب ائتمارا بأمر الله تعالى، لا ادعاء أني صاحب الحول والطول؛ وأكاد أجزم أنَّ هذا المبلغ المحمود هو وليد "المنع" لا "العطاء"، "المحن" لا "الانتصارات"، هو من ثمرات " ونبلوكم بالشر والخير فتنة"، ومن بركات "ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم...".

كم من "وجد" كان العائق أمام خير كثير ، وكم من "فقد" جعله الله سببا لخير غزير ؛ والحكمة القرآنية والنبو يَّة تعلمنا أنَّ الفرق بين العباد، ليس في السعة والفرق، في الغنى والفقر، لكنَّ الفرق يكمن في الرضا والسخط، في إحالة الأمر إلى الأسباب أو إحالتها إلى ر ب الأسباب، أو الجمع بين التوكل على الله وحده والائتمار بأوامر الله سبحانه؛ الخير كله في إعمال العقل المؤيد عوضا عن العقل المجمَّد.

فيينا، مدينة ليست كغيرها من المدن العالمية التي زرتها، ولا حتى مثل المدن الألمانية، رغم وحدة التاريخ بينها...فيينا، جنة من جنان الله فوق أرض الله، تكاد لا تفرق فيها بين عبق التاريخ، ونسمة الحاضر، وأفق المستقبل...

فيينا، مكتبة وكنيسة، مسجد ومتحف، مصنع ومتجر، دار للأوبرا ومعبر ...هي كلُّ ما يجعل حياة البشر مثمرة، هادئة، ملهمة، بديعة... يكفي أن نذكر أنَّ البلد الأوروبي الوحيد الذي يعترف بالإسلام دينا قانونيا في البلاد، بعد المسيحية، منذ عام 9595 م، هو النمسا؛ ويتمتع المسلمون بحقوق رسمية، منها تحصيل حصص دينية في المدارس الرسمية، وعددهم في فيينا حوالي مليون مسلم؛ من مختلف الجنسيات والأعراق، وهم تقريبا ثلث سكَّان فيينا؛ مع ملاحظة أنهم الأصغر سنًّا.

وتنزل الطائرة بنا، في مطار فيينا العريق؛ والموع د مع مكتباتها، ومعالمها الحضارية، وجمال طبيعتها؛ بخاصَّ ة ما حول نهر

الدانوب Donau بالألمانية و Danube بالانجليزية، الذي يخترق تسع دول أوروبية، ويصب في البحر الأسود؛ وهو في هذه المدينة العريقة في الفن، مدينة موتزارت وبتهوفن الموسيقيين؛ وفوخ وكليمت الرسامين...

هو في هذه المدينة يصنع لوحات فنية قلَّ لها نظير، ولا يملك العقل إلاَّ أن يقف مشدوها، والقلب إلاَّ أن يركع لله موقنا؛

أنَّ كلَّ هذا من صنع الله، لا من صنع البشر؛ سبحانه وهو القائل في محكم التنزيل: "هذا خلق الله، فأروني ماذا خلق الذين من دونه".

د.محمد باباعمي

مستشار معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان

فيينا، الخميس 27 ذوالقعدة، 1447هـ / 14 ماي 2026 م