يمكنكم الآن تحميل التفسير الميسر، بذور الرشد
بين عالم داروين، وعالم الأسرة... البقاء للأصلح لا للأقوى
حديقة الحيوان، فرنكفورت، ألمانيا
د. محمد باباعمي
5/20/20261 min read


بسم الله الرحمن الرحيم
حديقة الحيوان، فرنكفورت، ألمانيا
(بين عالم داروين، وعالم الأسرة... البقاء للأصلح لا للأقوى)
يعود تاريخ تأسيس حديقة حيوان فرانكفورت إلى قرن ونصف قرن من الزمان، أي إلى عام 1858م؛ ومع ذلك يعتبر عالم الحيوان والمدافع الشرس عن البيئة البروفيسور الدكتور برنهارد غريزيك (Bernhard Grzimek) الأب الروحي للحديقة، ووسطها نجد تمثالا له، وتخليدا لذكراه.
في الحقيقة لم تبهرني الحديقة بالمستوى الذي كنتُ أتوقَّع، ذلك أنَّ أجمل ما فيها ليس من صُنع البشر: الخضرة، والمياه، والجو اللطيف، والهدوء... أمَّا الحيوانات، والأسماك، والحشرات المعروضة، فلم تكن في المستوى ولا المقام المطلوبِ، لولا قسمُ الأسماكِ.
غير أنَّ الذي حملني على كتابة الخاطرةِ، هو ملاحظةٌ لا علاقة لها بالمكانِ ولا بالزمانِ، وذلك أنَّ داروين يوم أسَّس نظرية التطور، وغريزيك يومَ طوَّر حديقة فرانكفورت، وغيرهم من علماء المادَّة والطبيعة أصحاب المنظور المادي الإلحادي، لم يكونوا على علمٍ أنَّه في يومٍ من الأيام سيكون عدد زوار الحديقة، من المسلمين، ومن الأجناس الشرقية الأخرى، أكبرَ من عدد الزوار من ذوي البشرة البيضاء، الجرمان، أو حتى الأوروبيين الآخرين.
السببُ شيءٌ خارج التقدير وإرادة البشر، إنه "الأسرة، العائلة"، "الأب، والأم، والأبناء، والأحفاد"... هذه الخلية الأولى لبناء الأمم والمجتمعات، والتي عليها وحدها يقوم بنيان الشعوب والحضارات؛ فإذا ما تحطَّمت الخلية الأساس، انهار على إثرها كلُّ شيء؛ وما دام هؤلاء الأوروبيون، بخاصَّة المتحكَّمين منهم وأصحاب الرأي (أحيانا ضد قناعة الشعوب)؛ إذا ما أقدموا على تشريع المثليَّة، والتحوُّل الجنسي؛ وأدرجوا ضمن القانون أشلاء لا تمت إلى الأسرة بصلة: الأسرة ذات الآباء المثليين، الأسرة ذات الوالدين المتحولين، الأسرة الممتدة للمتحولين جنسياً والمثليين، الأسرة المشتركة (Co-parenting)، الأسر المعاونة (أو الحاضنة)... إذا ما فعلوا ذلك، فقد دقوا آخر مسمار في تابوت وجودهم وحضارتهم، علموا ذلك أم لم يعلموا، أرادوا ذلك أم لم يريدوا.
فالبقاء هنا للأصلح، وفق منظور التوحيد؛ لا للأقوى، حسب منظور داروين.
أمَّا المجتمعات المسلمة والشرقية، وبعض من المجتمعات الغربية المحافظة؛ فقد سعت لحماية خلية الأسرة بما أوتيت من قوَّة، وهي صمَّام الأمام ضدَّ خرام الأمم؛ وها اليوم نرى الفرقَ واضحًا؛ فمن كانت له أسرة طبيعية تجده يعيش حياة طبيعية، ومنها أن يأخذ أبناءه إلى المنتزهات، وحدائق الحيوانات، والمكتبات... أمَّا من رفض الزواج، وبنى العلاقة على الحرام، أو كوَّن أسرة هجينة، فلا حياة له سويةً؛ وكلُّ مآله إلى تشتت وتفتت.
لكَم كنت سعيدا، وأنا أشاهد عائلات ذوات العدد، أربعة، خمسة، ستة أبناء... من جميع الأجناس؛ يعيشون المرَح، وبكاء الرضَّع أحيانا، وشِجار الأقران حينًا... مع سعادةٍ غامرةٍ لا تكاد توصف؛ ولا أملك إلاَّ أن أدعو بما دعا به مالك بن نبي يومًا، فقال: اللهمَّ هؤلاء لا يطيقون المحنَ ففرّج عنهم، وأزيدُ: واهدِهم، وحسّن أحوالهم إلى ما يُرضيك، واصرف عنهم ما يُغضبك...
إنك على كل شيء قدير.
محمد بن موسى باباعمي
فرانكفورت، حديقة الحيوان
عصر الثلاثاء 6 صفر 1448ه/21 يوليو 2026م
