فارسُ القرآن، سلطانُ البيان في ذمة الله
الأمَّة تنعى آخر الكبارِ، العلامة الشيخ محمد سعيد كعباش رحمه الله
د. محمد باباعمي
8/11/20261 min read


في رحاب جزيرة جربةَ، ضمن ملتقًى علميٍّ حول أعلامِها ومعالمها؛ حظيتُ برفقةِ خيرة العلماء: الدكتور فرحات الجعبيري، والدكتور أحمد مصلح، والشيخ ساسي بن يحياتن، والدكتور البشير بن غازي، والشيخ سعيد الباروني... وآخرين؛ ولقد نَظَّمت لنا جمعياتُ جربة النشِطة زيارةً إلى معالم جربة الحضارية: من غار أمجماج إلى جامع تجديت، ومن جامع أبي مسور إلى جامع اليزمرتني...
وأنا في تلك الأجواء الغامرة، نزل عليَّ نبأُ وفاة العلاَّمة الشيخ كعباش كالصاعِقة؛ فرُحتُ ألملم أفكاري، وأرتب ذكرياتي، وأنتقي كلماتي؛ لا لأعزّي أحدًا بعينِه، بل لأعزّي العلمَ والحلمَ ابتداءً، ولأعزّي ميزاب والجزائر والعالم الإسلامي اختتامًا؛ فالعلاَّمة الشيخ كعباش تعدَّى المحلَّة إلى الوطنِ، وتجاوز الوطنَ إلى العالـَمِ؛ رغم أنه لم يغادر ميزاب للاستقرار يومًا... إذ كلُّ نشاطه الجهاديّ، وجهادِه العلميّ، كان من ميزاب وفي ميزاب.
أذكرُ أنَّ أوَّل مرَّة سمعتُ فيه اسمَ الشيخ كعباش، يومَ كنتُ تلميذا في متوسطة الثميني، وكان يومَها مديرَها الأمثلَ؛ وكانت المناسبةُ زيارةُ الرئيس هواري بومدين إلى غرداية؛ فانتدبني الأساتذةُ لإلقاءِ كلمةِ الترحيب باسم المتوسطة، أمام الرئيسِ؛ وكانت الكلمات من تأليف الشيخ المدير، الشيخ كعباش.
ومما بقي في ذاكرتي الطفولية، ثلاثةُ أبيات من شعر محمد العيد آل خليفة، جاء فيها:
على الرحب حُلوا أجمعين على الرحبِ ... فأنتم ضيوف في حمى الله والشعبِ
طلعتم علينا كالكــــــواكب في الدُّجى ... وسرتم إلينـــــــــــــــــا كالسحائب في الجدبِ
بسطنـــــــــــا لكم منَّا قلوبــــــــــــــــــا حفيّةً ... فدوسوا عليها لا تدوســــــــــــــــوا على التربِ
أذكر أنَّ الشيخ كعباش حوَّر البيت الأخير، وأورده بصيغة:
بسطنـــــــــــا لكم منا قلوبــــــــــــــــــا وأعينًا ... فدُوسوا عليها لا تدوســــــــوا على التربِ
ولم يشأ اللهُ تعالى أن أقرأ كلمة الترحيب أمامَ الرئيس بومدين؛ لأنَّه لم ينزل من سيارته، بعد طول انتظارٍ؛ غير أني حظيت بقراءتها أمام العلامة الشيخ كعباش، في مكتبه وبين ثلَّة من الأساتذة، فكان هذا لي شرفًا وأيَّ شرفٍ، وعزَّة وأيَّ عزَّة.
*******
ثم توالت المناسباتُ واللقاءاتُ بالشيخ من بعيدٍ؛ إلى أن تكرَّم الله تعالى عليَّ أن أعيَّن أمينًا عامًّا لجمعية التراث، بمباركة من شيخي ووالدي الشيخ عدون شريفي، واقتراحٍ من أستاذي ووالدي الدكتور محمد ناصر، وتأييدٍ من سيدي ووالدي أحمد جهلان؛ رحم الله الأوليين وأنزل البركة على عمر الثالث؛ فكانت هذه مناسبةً لأقتربَ من الكبارِ، وأجلس بينهم، وأعرض برنامج الجمعية في حضرتهم، وأسردَ منجزاتها في يوم المعايدة بالقرارة، ومن بينهم: الشيخ عدون شريفي، الشيخ حمو فخار، الدكتور محمد ناصر، الشيخ ناصر المرموري، الشيخ محمد سعيد كعباش، الحاج إدريس أعوشت، الحاج أحمد جهلان... وغيرهم من رؤساء جمعيات الإصلاح وممثليها.
وأثناء تلك اللقاءات عرفتُ الشيخَ بحكمته وحنكته، وحسنِ حواره وبيانه؛ واليوم – بعد أن انتقل إلى رحمة ربه - أعتقد أنه "آخرُ الكبارِ"، ممن جمع إلى الزعامةِ الحقَّة العلمَ المتين، وإلى العلم الرصين الرأي الحصيف؛ وكثيرٌ ممن جاء بعدهم ينفرد بخاصيَّة دون أخرى، ويتميز بخصلة دون غيرها. ولذا عرَّفته أنه: "آخرُ الكبار".
*******
ثم شاء الله تعالى أن أحضر حفل ختمه لتفسير القرآن الكريم، وهو حدثٌ - لعمري – مشهودٌ؛ ويومها عرفتُ الشيخَ أكثرَ، وتعرَّفت على جهاده واجتهاده عن كثبٍ؛ وأجزم أنه من بين القلائل من العلماء الذين جمعوا إلى التأليف المحاضرةَ والدرسَ؛ وهو من القلائل الذين ألقوا دروس التفسير على المنبر مشافهةً، ودوَّنوه بيراعهم في القراطيس كتابةً؛ فجمع الحسنيين، وبلغ الغايتين؛ وأخرج لنا "نفحات الرحمن في رياض القرآن".
ولقد اشتغلتُ بتفسير كتاب الله تعالى في مشروعين: الأوَّل مع سلسلة "بذور الرشد"، والثاني مع مشروع المصحف المفسَّر "تفكّر، تدبَّر، اعمل"؛ أمَّا الأوَّل فقد طُبع ونشر عدَّة مرَّات لله الحمد، وأمَّا الثاني فهو طور النشر؛ ولقد كان ضمن مصادري، وممن رافقني في تجميع الفكرة والمادة العلمية، تفسيرُ الشيخ كعباش: "نفحات الرحمن في رياض القرآن".
*******
وكتب الله تعالى لي أن أغيب عن وادي ميزاب لعقود في مناسبات عديدة، ولأسباب مختلفة: من العاصمة إلى تركيا، ومن الجزائر إلى عُمان؛ وكنتُ في سنوات غيابي أحرصُ على زيارة بعض المشايخ من طينة الكبار، حين أنزل أرض الوطن في العطل؛ وفي مقدمة هؤلاء الكبار: العلامة الشيخ كعباش؛ الذي أحببته حبًّا عقليًّا، ورأيتُ فيه سمات الرجل العالم العاملِ؛ وكنتُ شديد الحرص على أخذ رأيه في مسائل متفرقة، ومواضيع متنوعة.
ثم تعرَّفتُ - بفضل الله - على المثقف العصامي محمد سعيد؛ فكان واسطة عقدٍ بيني وبين الشيخ كعباش؛ ومما حظيتُ به في هذه المناسبة عشاءٌ وسهرةٌ كلها أدبٌ وحكمةٌ، وعلمٌ وعبرة؛ ويومَها علمتُ أنَّ الشيخ لا ينام الليل، وإنما يبقى ساهرا إلى أن يصلي الفجرَ، ثم يأخذ قسطًا من الراحة إلى قرابة الظهر؛ وهو في ذلك فريدٌ في برنامجه الزمني، نادر المثال في حركته وحركيته اليومية؛ وكلُّ رجائي أن أدرجه ضمن "سلسلة: صورة الزمن عند العلماء"، التي أنا طور تأليفها، وأن أكتب عن برنامجه الزمني، وفلسفته في التعامل مع الوقت.
*******
والزيارة التي لن تمحوها الأزمان ولن تبلى بمرور الدهور، هي آخر زيارةٍ بمناسبة محاضرة ألقيتها في العطف، ضمن نشاط "المعالي للتمكين الحضاري"، قبل عام ونصف العام؛ وكنتُ ألحُّ إلحاحا على شباب العطف من المعالي: عيسى زكرياء، ومحمد هيبة؛ أن ينظّموا لي زيارة للشيخ في أي وقت شاءَ؛ حتى جاء الخبرُ السعيد بالموافقة، فكنت رفقة أخي جابر ناصر بوحجام، وأخي عيسى زكرياء؛ واستقبلَنا في صالون بيته بالقصر؛ وهو كعادته في أبهى حلَّة، وأنظر مطلعٍ؛ يعتني بتفاصيل الجمال عنايته بكليات الجلال.
جلستُ إليه ساعةً، وتعجَّبت أنه مطَّلع على نشاطي وأعمالي – على ضآلتها -بصورةٍ دقيقة شاملةٍ؛ وسألني عن كثير من مشاريعي ومؤلفاتي، وأفكاري وآرائي... ولا أخفي أني عشتُ إحساسًا عجيبًا بين الفخر والحيرة، بين الحمد والإحساس بثقل المسؤولية.
وسوف أنقل بعض ما قاله لنا بالمعنى، والشريطُ الصوتي يمكن أن ينشر مرفقا بالمقال، ومما قاله يومها، ومن عجبٍ أنه متوافق إلى حد بعيد مع ما قاله لي أستاذي الدكتور محمد ناصر رحمه الله، في آخر زيارةٍ زرته فيها، قبل أن يتوفاه الله؛ مما قاله:
"على المشتغل في حقل الدعوة أن يقطع كلَّ أنواع الوسائل بينه وبين الخلقِ، ويُفرد صلته بالله مباشرة، سبحانه وتعالى؛ يكون مع الله بدون أن يكون ثمة خلقٌ؛ فالله سبحانه سيصلحُ له كلَّ أحواله.
هذه قاعدة منذ عام 1958م يوم دخلتُ عضوا في حلقة العزابة، وبعد فترةٍ قصيرةٍ أسنِدت إليَّ مسؤولية الوعظ والإرشاد، بعد الشيخ الحاج أحمد (باباعمي) رحمه الله، وقد أجرى عمليَّة جراحيَّة وأصيب منطقُه بعطل؛ اتخذتُ هذه القاعدةَ دليلي، وتعثَّرت شيئًا ما في البداية، ثم واجهتُ مواقفَ الناس، لا أعني عامَّة الناس، ولكن من اعتبرتهم فرضيًّا أنهم عونٌ لي، يقفون إلى جانبي، ولكن كان العكس هو الحال.
الحمد لله تعثرت شيئا ما، ولكن حين عملتُ وفق هذه القاعدة كسرتُ الحواجز، وتخطيت العقبات؛ إلى يوم الناس هذا...
بهذه القاعدة/العقيدة يجدُ الإنسان راحةً تامَّة، ولا يضرُّه شيءٌ من أمر الناسِ؛ وكان الشيخ بيوض رحمه الله، وقد جاهدَ وكافحَ... كان دائمًا يستشهدُ بمقولة لعبد الرحمن الكواكبي، صاحب كتاب "طبائع الاستبداد"، يقول فيها: "ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص الظالمين"؛ فالمرء يستلذُّ ذلك التعب والشقاء للنتائج التي يرجوها...
أسأل الله أن يكثّر من أمثالكم".
*******
ثم طلبنا منه دعاءً نرجو برَّه وذخره عند الله، فدعا من مقام العلماء الربانيين، وهو اليومَ – بين يدي ربه - يعيش حقيقة تلك الكلمات التي نسجها لدعائه، رحمه الله برحمته الواسعة:
"اللهمَّ لك الحمد كلُّه، اللهمَّ صل وسلم على رسول الله ﷺ، نسألك اللهم العون والتوفيق والعمل بما ترضى، والفوز بالجنة والنجاة من النار، والأمن من العذاب، والعصمة من جميع المهالك في الدين والدنيا والآخرة، يا أرحم الراحمين...
اللهمَّ رحمتك نرجو، لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عينٍ، ولا تنزع منَّا صالح ما أعطيتنا، وهبَ لنا من لدنك رحمةً، ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا إنك على كلّ شيء قدير، وصلّ اللهمَّ وسلم على سيدنا محمد ﷺ خاتم النبيين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين".
*******
الحقُّ أنَّ الأمَّة لم تفقد - في الشيخ كعباش رحمه الله - رجلا كأي رجلٍ؛ وإنما فقدت رجلاً جبلاً؛ ملأ الدنيا علمًا وعملاً، ودعوةً وصلاحًا، وخدمةً للخلق بما يرضي الحق، وزرعًا لسبل الخير؛ فجمع بين العلم والعمل، بين التأليف والوعظ، بين الإشراف على طلبة العلم وإدارة مصالح الناس؛ ولقد كان الأبَ الحاني، والوالدَ الرحيم، والمربيَ الخرّيت، والواعظَ الملهَم، والمؤلفَ المبدع، والأديبَ البليغ، والمفسّرَ المحقق... فجمع ما افترق عند غيره من العلماء الأعلام، ولقد تولى من المهام والمسؤوليات ما يعجز عنه جحافل العالِمين، ويقصم ظهر قوافل العامِلين.
*******
إنَّنا وإذ نودّع العالم العامل، العلاَّمة المفسّر لكتاب الله تعالى، والأديب الذي خلَّف آلاف الصفحات من التقارير والمذكرات، والمقالات والمراسلات؛ نوصي أنفسنا أساسًا، ونوصي جميع محبيه استئنافًا؛ أن يقتفوا أثرَه، وأن يحرصوا على تمثُّل القيم التي كان ينافحُ عنها، وأن يجتهدوا في نشر علمه من بعده، ويخرجوا للناس كنوز تراثه الدعوي، ودرر ميراثه الأدبي؛ فذاك وأيم الله الوفاءُ بعينه؛ وإنَّ الفقيد لا يرجو شيئا عند الله تعالى إلاَّ مرضاتَه، وأن ينفع سبحانه الخلقَ بما ترك من علم نافع، وبما خلَّف من عمل رافع.
اللهَ نسأل للعلامة الشيخ الرحمة والرضا، ولمن بقي بعده الثبات وحسن الخاتمة.
محمد بن موسى باباعمي
مستشار معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية، سلطنة عمان
باسة وافضل، بني يسجن: 27 صفر 1448ه/11 أغسطس 2026م




