فقه الصمت والكلام، من كتاب رب الأنام
د. محمد باباعمي
11/2/20261 min read


بسم الله الرحمن الرحيم
فقه الصمت والكلام، من كتاب رب الأنام:
الحاجة إلى الفقه في جميع مناحي الحياة باتت أكيدة ؛ ذلك أنَّ فقدان "الفقه الحضاري" الشامل، أحال فقهنا" إلى أحكام جزئية تفصيلية" خاصَّة بالشعائر، على أهميتها، لكنَّها شعائر – والأسف ملء الجوانح – باردة ، لا تلامس حركية الحياة فينا؛ وبذلك نضطرُّ إلى "استيراد" "العادات اليومية"، و"الخيارات الفكرية"، و"المواقف المصيرية"، و"النظريات المعرفية"، من "غيرنا"؛
ونكون "كمن يستعير صاعه من عدوه"؛ ثم نصنع من "ذواتنا" و"ممن حولنا" فسيفساء غير متجانسة ؛ لونها الأخرويُّ "إسلامي " قَنا؛ ولونها الدنيوي "إلحاديُّ" المَنا.
ومن أوكد ما يحتاج إلى "تقنين عقدي فقهي "، و"ضبط تربوي عملي "، نشاط اللسان في تعبيره عن مكنون الجنان؛ أي ما يعرف اصطلاحا ب"الكلام"؛ ولقد أبدع زهير بن أبي سلمى حين قال: "لسان الفتى نصف ونصف فؤاده***فلم يبق إلاَّ صورة اللحم والدم
وكائنٍ فتًى من معجب لك حسنه***زيادته أو نقصه في التكلُّم"
ومن أقوال الفيلسوف الساخر "برناد شو" لرجل ثري ضخم الجثَّة مزهوٍّ النفس، وكان ساكتا ساكنا هامدا؛ أن قال له: "ويحك تكلَّم لأراك!".
وإني من خلال هذه المقالة؛ سوف أسطر معام "فقه الصمت والكلام"؛ مستندا أساسا إلى "كتاب رب الأنام" أي القرآن الكريم؛ وكلُّ رجائي أن يكون مما يتعلَّمه الصغير والكبير بعناية؛ لكن ليس بمنهج "التلقين/الحف//الاختبار"؛ وإنما بمنهج "الوعي/التربية/السلوك"؛ أي وفقا لنموذج الرشد: بمنهج "تحويل المعلومة إلى علم ، والعلم إلى عمل ".
1. المفاضلة بين الصمت والكلام:
قد يكون الصمت في بعض الحالات حراما، وقد يكون الكلام في حالات أخرى حراما؛ و من عجب أن يصوغ البعض قاعدة من فراغ ، وهي "أنَّ من لم يتكلَّم في الأمر الفلاني، أو عن الشأن العلاني، فهو مجرم أو خائن أو ظالم"، وقاعدة "الصامت شيطان ، والهمُّ هو الكلام، أيُّ كلام" وما شابه هذا الحكم من قواعد واهية واهنة .
والحال أنَّ المسلم له ضوابط وقواعد تؤصل "كلامه وصمته"، له مبادئ ومقاصد تضبط "فعله وتركه"؛ فهو لم يخلق في هذه الدنيا سبهللا ولا غفلا ولا عبثا؛ ومن أغرب ما نعانيه في هذا "العصر الزئبقي"، في جميع الدوائر والمستويات، أنَّ المبادئ عندنا تتحوَّل إلى محفوظات ، وأنَّنا نملأ بها أفواهنا ما لم تمسَّنا وتلفحنا على المباشر، ومالم تهدد مصالحنا على العيان؛ أمَّا حين يكون في تلك المنطلقات ما يقلق ضمائرنا، وما يحاصر ذواتنا؛ فإننا نتخلَّى عنها مثلما تستغني الشجرة عن أوراقها في فصل الخريف، ونستبدل بها أوراقا من "قماش أو نيلون" هي شبيهة بالأصل، لكنها ليست هي الأصل. أو إن شئت فقل: مثلما تلقي الأفعى الرقطاء جلدها مع الحفيف؛ والأفعى أفعى سواء كانت من ذوات الخطر الثقيل أو الخفيف.
2. ولا تقف ما ليس لك به علم:
ما نقوله أو ما نسكت عنه، يجب أن يؤسس على قاعدة: "ولا تقف ما ليس لك به علم، إنَّ السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا". ولا يأخذنا الخيال الجانح إلى القول بغير علم ؛ ذلك أئَّنا أصبحنا نملك وسائل البوح، وقنوات النوح؛ والحال أنَّ من قال بغير تحقُّق ولا علم ، وألقى الكلام على عواهنه بلا روية ولا فهم ، أفسد الأخضر واليابس؛ ولم ينل إلاَّ وزرا فوق وزر؛ وفي هذه الحال وجب عليه أن يسكت، وأن يلتزم الوقوف.
أمَّا إذا كان له علم ب"الأسباب" الظاهرة والباطنة، القريبة والبعيدة؛ وإذا كانت له دراية بأمور لها علاقة بما يقع أو ما يدور حوله مما يريد الكلام فيه؛ دون أن يكون حبيس "صفحات الفايسبوك"، ومونشات "الجرائد السوداء"؛ إذا كان له ما يقوله، وما ينفع به ولا يضرُّ؛ فالواجب عليه أن ينطق ، وأن يقول ، وأن يتحمَّل تبعات ما يقول ، وأن يحتسب لله أجر ما يقول، وأن يصبر على الأذى الذي لا ريب سيلحقه جراء قوله.
3. إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنوا:
الضابط الذي يزن القول في جميع الأمور، وبخاصَّة في هذا العصر، وأوان الفتن، هو قوله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا"؛ إذ الواجب الشرعيُّ والعقليُّ يلزمنا أن نشكَّ في "حامل الخبر"، هذا حين يكون إنسانا من "لحم وعظم"، وكيف إذا كان برنامجا للتواصل الاجتماعي من "موجات وأسلاك"، مجهول المصدر والمورد؛ خفي الأهداف والأغراض؛ متمرسا في "التلاعب بالعقول"؟
ولقد خلط الناس بين إنسان مكلَّف وآلة مبرمجة؛ وذلك باسم الذكاء الاصطناعي؛ واهمين أنَّ الآلة هي التي تقول، وهي التي تختار، وهي التي تتحمَّل تبعات ما تقول وتختار؛ والصواب أنَّ أيَّ برنامج، سواء أكان على ورقة، أو كان رقميا؛ وسواء أكان مبرمجا داخليا، أو عبر الأنترنت؛ إنما هو ظل لمن برمجه؛ وبالتالي فإنَّ المسؤول والمخيَّر، وإنَّ الواقف وراءه بقيمه وعقائده، بخياراته الكونية ومواقفه؛ إنما هو "الإنسان المبرمج"، أو الشركة الداعمة؛ ولا فصل بين "السبب والنتيجة"، ولا بين "المقدمة والثمرة" إلا في ذهن من ابتلي بالخبال، وتمرَّس البلبال.
4. إذ قاموا فقالوا:
المبدأ الذي يحكمنا جميعا، ويحكم حركية حياتنا بلااستثناء ، هو أن يكون بين "قولنا وفعلنا" تناغم وتلازم ، وخط واصل غير فاصل ، ومنطقية وعقلانية ؛ وأن لا يكون الواحد منهما "يسارايا" والآخر "يمينيا"؛ الواحد "علويا" والآخر "سفليا"؛ الواحد ينحو نحو "المبدأ" والآخر يتصرَّف وفق "المصلحة الفردية".
وأنا واثق أنَّ من يعمل ويفعل يحقُّ له أن يقول أو يصمت، أمَّا من يبيع الكلام، ويوزع الشعارات، ويرعى في مستنقع الشهوات؛ فهذا لا يحقُّ له أن يقول، ولا أن يدعي، ولا أن يصوغ الحدود وقواعد اللعبة؛ وهؤلاء للأسف كثر، هم إلى السفه أقرب منهم إلى الرشد.
ولعلَّ أمثل عنوان لهذه القاعدة هو قوله تعالى: "وربطنا على قلوبهم، إذ قاموا فقالوا"؛ ولو أنهم جلسوا لما صحَّ أن يوصفوا بأنهم "أهل قلوب ربط الله عليها وقوَّاها بالإيمان"؛ ثم إنهم ولو جلسوا لكان الصمت أليق بهم؛ ذلك أنَّ من جلس وقال، فلا يوصف قوله إلى "بالصراخ والنياح،" ولا أزيد؛ ولئن يخطئ المرء وهو متحرك، خير له من أن يصيب وهو ساكن راكن؛ شريطة أن يكون ذلك الخطأ مما يغتفر، أو أن يصححه ويتوب منه من قريب؛ ولا يركب به أمَّ رأسه.
5. فليقل خيرا أو ليصمت:
إنَّ المقصد الأعلى لقولنا أو صمتنا، لفعلنا أو تركنا، هو "الصلاح، في مواجهة الفساد"، "الخير في حرب مع الشر"؛ ولقد لخَّص هذا المعنى رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في عبارة جامعة مانعة: "فليقل خيرا أو ليصمت"؛ ذلك أنَّ كلَّ قول أو فعل يؤدي إلى الفساد في الأرض، أو يؤدي بالبلاد والعباد إلى مواطن الشر ؛ هو محرَّم شرعا، منبوذ عقلا.
قال تعالى: "ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين".
ولو تتبعنا بقية الحديث الشريف؛ لفهمنا أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ربط بين القول والإيمان؛ ثم نبَّهنا إلى صيغ من القول السديد لا تعتمد اللسان جارحة ، ولكنها تختبر الأركان دليلا ؛ قال عليه السلام: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". ومؤدى الحديث الكريم أنَّ:
- قول الخير أو الصمت، حين لا يكون للمرء ما يقوله، علامة من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر.
- إكرام الجار، علامة من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر.
- إكرام الضيف، علامة من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر.
وهكذا، قس كلَّ قول أو فعل، كلَّ صمت أو ترك؛ إذا كان دافعه "الإيمان بالله واليوم الآخر" وجب إتيانه وكسبه؛ وإذا
كان له من دافع آخر دونه؛ حرم اجتراحه واكتسابه.
6. شروط القول والصمت أوان الفتن
من جملة الشروط للقول أو الصمت، للقبول أو الرفض، أوان الفتن؛ وفي شأن السياسة والكياسة بالخصوص؛ ما يلي:
. أن يصبَّ في خير البلاد والعباد، على التحقيق والتصديق؛ لا بصفة وهمية مدَّعاة .
. أن لا يكون خادما لجهة معينة من خارج جسم الأمَّة؛ ممن يكنُّ العداء للدين والقيم والوطن.
. أن لا يقود هذا الكلام إلى فتنة أو فتن، لها أوَّل وليس لها آخر.
. أن يكون فيما يأتي صاح ب الكلام أو يذر رضا الله سبحانه، وأن لا يكون سببا لسخطه وغضبه جلَّ شأنه.
فعن الصاحبي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: "كلم الناسَ قليلاً، وكلم ربك كثيرا".
. أن يكون الصمت أو القول إلى جوار الحق، حتى ولو سخط الناس جميعا؛ بعيدا عن الباطل حتى لو تلبسه
الناس جميعا.
. أن لا يكون الواحد بقوله أو صمته "إمَّعة" بمنطوق الحديث، وفردا من "جماعة وظيفية" بمفهوم المسيري، و"عروسا للقراقوز" كما أختصره في بعض كتاباتي.
7. وإذا لم تتحقق الشروط
إذا لم تتحقَّق الشروط الآنفة؛ وإذا لم يمكن اتباع القواعد المسطَّرة؛ فإنه من الأفضل أن يحفر المرء في "دائرة الفهم"، وأن يواصل "العمل في صمت "، وأن يعلم الناس الخير ولا يبالي ، وليعلم أنه حين يخرج تلميذا أو إنسانا واحدا من ضيق الجهل إلى سعة العلم، سيكون قد أدَّى ما عليه؛ و"متى نفعت الجعجعة التي لا توفر طحينا".
وحين يستحيل الالتزام بالمبادئ والقيم، فليكن شعار الواحد منَّا: "هذا أوان الصمت والفعل، وليس أوان الكلام مع الكسل والجهل؛
فمن شاء "اتخذ إلى ربه سبيلا"، ومن أراد "اتخذ إلى الشيطان سبيلا"؛ والله يقول الحق وهو خير الفاصلين".
وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم جامع مانع في شأن الترك حين يكون الترك أولى من الإتيان والفعل؛ فقد روى أبو أمامة الباهلي، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنا زعيم ببيت في ربض الجنَّة لمن ترك المراء وإن كان محقا؛ وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا؛ وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه".
خاتمة: قم تكلم فإنَّ الله يحب كلامك
"الحكم العطائية" للإمام عطاء الله السكندري آية من آيات الله في البلاغة والحكمة؛ ولا ريب أنَّ المشرب الصوفي يقوم على التزكية والترشيح؛ وفيه ما ينفع وما لا ينفع، كغيره من علم البشر القاصر؛ ولكم حلم كبار العلماء في ميلاد "علم لم يولد بعد"، يعالج التوحيد وليس بعلم الكلام، ويهذب السلوك وليس بعلم التصوف؛ هو علم يأخذ من حسنات هذا وحسنات
ذاك؛ وقد سماه بعض العلماء: علم "تجديد الصلة بالله"؛ وأحسب أنَّ تسميته علم "حب الله" يليق به كذلك.
ذلك أنَّ أعظم الصمت ما كان لله، وفي الله، وبأمر الله، ولرضا الله... أ وأنَّ أعظم الكلام ما كان لله، وفي الله، وبأمر الله، ولرضا الله... فالضابط أنَّ ما أحبَّ الله هو المأمور شرعا، وما أبغض الله فهو المنهي شرعا؛ ولقد علَّمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندعوه ونقول: "اللهمَّ أسألك حبَّك، وحبَّ من يحبك، وحبا يبلغني حبَّك"، وكان من دعاء دواد عليه السلام، كما روي في الأثر :"اللهمَّ إني أسألك حبَّك، وحبَّ من يحبك، وحبَّ عمل يقربني إلى حبك".
وعن صاحب "الحكم العطائية"، ننقل هذه القصَّة في "مقام الكلام عن محبَّة الله"، وهي للعبرة والذكرى، لا للتمثُّل والتلبُّس: قال الإمام ابن النحوي التلمساني، صاحب "قصيدة المنفرجة": "حضرت مجلس سيدي ابن عطاء الله السكندري ذات يوم ، وهو يومئذ كبير علماء أهل التصوف في عصره، فنظر ت إليه متعجبا من علومه، فقلت في نفسي: أترى الشيخ في أي مقام هو من المقامات؟
فنظر إليَّ الشيخ وقطع حديثه، وقال: في مقام المذنبين العاصين، يا ابن النحوي.
فعجبت من ذلك، ولزمت الصمت من هيبته، ثم سلَّمت عليه وانصرفت، ورأيت في تلك الليلة بالمنام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مرتبة عالية ، والصحابة الكرام حوله، والناس مجتمعون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين تاج الدين بن عطاء الله؟ فقال: نعم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم تكلم فإنَّ الله يحب كلامك.
وأخذ سيدي "ابن عطاء الله" يتكلَّم عن محبَّة الله، فاستيقظت مذهولا ، وذهبت لسيدي "ابن عطاء الله" فسمعته يتكلَّم بنفس الكلام الذي قاله أمام سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، فقلت في نفسي: هذا والله هو المقام.
فنظر إليَّ مبتسما وقال: وماخفي عنك، كان أعظم يا ابن النحوي!".
د. محمد بن موسى باباعمي
بوشر، مسقط، سلطنة عمان
5 ذو الحجة، 1445 / 12 جوان 2024
----------
هوامش:
- قَنا اللون: أحمره قان، والقنا زهرة يستخرج منه صبغ أحمر، يزرع في الحدائق للتزيين؛ وفي السياق كناية عن "الجهاد"
- المنا: معيار قديم كان يكال به أو يوزن والجمع: أُمْنَاءٌ ، أًمْنٌ، مُنِيٌّ
- النياح،: مصدر ناح، الشخصُ المَيتَ/ناح، الشخص على الميت: بكى عليه بحزن وصياح، وعويل .
- عن علم "تجديد الصلة بالله"، وعلم "حب الله"، انظر كتابنا "في حب كلام الله".
