غزة لا تعنيني؟!
(فنُّ التخلي عن المسؤولية وإلقاء اللوم على الآخرين)
د.محمد باباعمي
7/23/20251 min read


غزَّة تعذب ضمائرنا صباحَ كل يوم، وتغتال أرواحنا مساء كل يوم؛
فلا نكاد نجد للحياة معنى ولا وجهة؛
قليلُ النعم قليلٌ، وكثيره قليلٌ...
وأنا أمضغُ لُقمتي أحسُّ أنني انتزعتها من يد صبيٍّ غزاويٍّ بعنفٍ،
وحين ألبس ثيابي ينتابني خوفٌ أنني سرقتُه من جسد شاب غزاويٍّ بحيفٍ...
وهكذا جميعُ النعم تستحيل كلاَ شيءٍ في يومياتي...
ومع ذلك، غزَّة لا تعنيني؟!
لا تعنيني، لأنني عاجزٌ عن فعل أي شيء يخفف من آلامهم مهما بلغ مداها...
لا تعنيني، لأنني أحمّل المسؤولية للحكَّام المتخاذلين، وللقواد المتواطئين...
لا تعنيني، لأنني مجرَّد مواطنٍ بسيط، لا حول له ولا قوَّة، مسلوب الإرادة لا لي ولا عليَّ...
لا تعنيني، لأنَّ الجرح أوسع من الخرق، والألم أعمق من نفسي الصغيرة...
بهذا ألقي المسؤولية عن ظهري، وأعلل النفس بالأماني، وأقعد مع القاعدين مطمئنا مرتاح الضمير... في تناقض شديد...
أصدقكم القول حين أقولُ:
إنَّ صورةً واحدةً من رضيع غزاوي يموت جوعا تمنعني متعة الطعام لأيام... وما بالك بصور وفيديوهات تفوق الخيال في أفلام الرعب على كثرتها...
لا شيء يؤلمني أكثر من صورة المحشر وقد وقفنا صفوفا وطوابير، يسألنا الله تعالى عن غيابنا ولا مبالاتنا... ويحاسبنا سبحانه عما بين أيدينا من أسباب قد نوجهها لغزَّة غير أننا كنا بخلاء أشحة فحرمناهم منها...
الحق أنَّ ذلَّنا في أوطاننا، وهواننا على أنفسنا، والظلمَ الذي نمارسه على بعضنا، والحقوق التي يُحرم منها ضعفاؤنا، والواجبات التي يتنصَّل منها أقوياؤنا... كلُّ ذلك سببٌ لعجزنا عن النصرة... ومدعاة لفقدنا القوَّة والإمكان...
فلن تنتصر غزَّة إلاَّ إذا انتصرنا على أنفسنا... وأرى ذلك بعيدا...
ولن نغلب العدوَّ إلاَّ إذا تغلبنا على شهواتنا ورغباتنا وحماقاتنا... وما ذلك بقريب...
هم شهداء إلى الجنة ولا ريب... ولكن إلى أين مصيرنا نحن؟
لا أدري، غير أني على يقين أنَّ مصيرنا وعاقبتنا نحن المسلمين – فرادى وزرافات – ليست باليسيرة ولا بالحسنة... وإذا لم يغفر الله لنا، فإنَّنا سنشقى بسبب تركنا النصرة في زمن النصرة... وفقدنا الفعل في زمن الفعل...
فهل غزَّة تعنيني وتعنيك؟
محمد بن موسى باباعمي
بني يسجن 23 جويلية 2025م
