هارب من الموت.. ناج من بطن الحوت

نشرت بأسبوعية الجديد، وادي سوف

أصداء وقراءات

الطاهر عمارة الأدغم

3/20/20111 min read

خلال عام أربعة وثمانين وتسع مئة وألف كان عمره أحد عشر عاما، وكان يعيش حياة مختلفة عن أقرانه، فقد كانوا يفضلون اللعب دائما بينما يهرب هو إلى التأمل والتفكر والمطالعة.

والده كان عاملا في مصنع للكمياويات في مدينة بوبال الهندية الجميلة ببحيراتها العريقة وشمسها الناصعة وجوها الدافئ أبدا.. جميلة جدا لولا الفقر والمسكنة التي خيمت على سكانها المسلمين منذ أمد بعيد.

تمضي حياة محمد مع أسرته الصغيرة وادعة رغم بعض المنغصات وشظف العيش، لكن في الأفق ما ينذر بشرّ مستطير.. لقد تحالفت المافيا المالية والسياسية في الهند وتآمرت على أهالي المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية، وهكذا ظهر إلى الوجود مصنع أمريكي للمبيدات في زمن حكومة رئيسة الوزراء أنديرا غاندي خريجة جامعة أكسفورد وابنه بريطانيا المدللة. ولاحقا بُني مصنع آخر أضخم منه فترك الكثير من السكان مزارعهم ليلتحقوا بالمصنع الجديد بأجور زهيدة، وهكذا كان بعض الدسم الذي خبّأ في داخله السم.

حلّت الليلة المشؤومة عندما هرول الأهالي وتعالت الصرخات والبكاء والعويل.. إنها الكارثة.. مات خمسة وعشرون ألف مسلم بسبب تصاعد غازات سامة من المصنع الأمريكي.. وظل مئات الآلاف في العراء حتى وصلت فرق الإغاثة بعد أسابيع.. وما زالت المنطقة تعاني مخلفات تلك الكارثة، وتتجرع غصص التعويض الأمريكي الذي كان خمسمائة دولار لكل فرد مسلم، أي أقل من قيمة عجل في بعض البلاد.

يفقد محمد كل أفراد أسرته ويعيش وحيدا في المخيم ، لكن يد القدر ساقت إليه أسرة مسلمة كفلته وأطلقت عليه اسم يونس، فواصل تعليمه حتى بلغ درجات عالية، وهناك بدأ الصراع الداخلي بين محمد الذي يحمل في عقله وفكره مأساة مسلمي بوبال وبين يونس المتعلم الذي (ولد من جديد) من خلال حياته الميسورة في مدينة (كالكيتا).

فكّر محمد في الانتقام لأهله وذويه، ومن هنا نسج قلم الكاتب حوارا داخليا راقيا، بين شخصين في شخص واحد.. بين محمد ويونس.. وكانت النتيجة قناعة راسخة بأن الانتقام الحقيقي في نموذج الرشد، والخروج من بطن الحوت إلى رحابة العمل والتفاني والاجتهاد لبناء صرح الأمة العلمي.. نعم عندما نبني أنفسنا ونحمل سلاح العلم سوف يتحقق الانتقام من الأعداء.

أحداث الرواية حقيقية وهي نتاج (حج حضاري).. فهناك حج فردي وآخر جماعي حضاري كما يسميه كاتب الرواية.. وهو الأمر الذي يدفعه دائما إلى تجاذب الحديث مع حجاج من مختلف بقاع الدنيا، ليقيم معهم علاقات ويحاورهم حول هموم المسلمين وسبل تجاوزها.

إنه الدكتور محمد موسى بابا عمي أحد أبناء منطقة غرداية حيث العلم والأصالة والتاريخ.. يدير الآن معهد المناهج بالجزائر العاصمة وهو تجربة جديدة وفريدة في خدمة العلم والثقافة.

جميع حقوق الموقع محفوظة 2024