من باريس إلى فرانكفورت على متن القطار
حيث الزمن يتسارع في الصين ويتباطأ في أوروبا
5/20/20261 min read


في محطة الشرق "gare de l'est" بباريس العتيقة العريقة، صبحًا والجو ممطرٌ، مع برودة تغازل الأوصال باستحياءٍ؛ وفي كشكٍ للكتب والمجلات، حيث الورق لا يزال ذا قيمة هنا، والناس لا يزالون يقتنون الصحف اليومية والجرائد الأسبوعية، وينكبُّون على المجلات الشهرية المتعددة الاهتمامات، والكتب المختلفة الاختصاصات.
أرسلتُ عيني لتلقي إطلالةً على الواجهات المصممة تصميما بديعًا، بين أرفف الكشك الكبير، وإن شئتَ فقل المكتبة الصغيرة؛ فوقعت في أول وهلة على مجلة "le point"، وعليها صورةٌ تجمع بين الرئيس الصيني شيء جين بين، والأمريكي دونالد ترامب؛ وفي الصورة الرئيس "شي" يصنع الخمرة، ويحضر الخلطة؛ أمَّا ترامب فيراقب من الوراء، مكشَّرا نابه، مكفرا وجهه...
والعنوان بفرنسية معيارية: "وفي هذا الوقت الضائع الصين... مخطَّط "شي جين بين" لأخذ ريادة العالم من أمريكا"؛ والمقال يحيل إلى أنَّ العالم وبخاصَّة أمريكا وأوروبا، بينما هو مشتغلٌ بالحروب، الصينُ تتقدم نحو صدارة العالم، في كل المجالات الحيوية: العسكرية، والتكنولوجية، ومجال السيارات، والطاقة".
ثم، إنَّ العين وقعت على عدد من مجلة "العالم الدبلوماسي" التي كنتُ مولعا بها في وقتٍ مضى؛ وأعرف أنها "لا تصفُّ الشعَر في اتجاه الشعيرات"، ولا تسير دائما في اتجاه الريح؛ وأنها كثيرا ما وقفت في الاتجاه المعاكس للخيارات السياسيوية العولمية؛ ومن عجبٍ أنني وقعتُ في الجريدة على مقال بعنوان: "ييو، عاصمة العولمة"، والمقال يصف بشكل دقيق أجواء المدينة الصينية الأولى "Wui"، في التجارة والصناعة العولمية، والتي كما قال: "الناس في جميع بلاد العالم لا يختارون أن يذهبوا أو لا يذهبوا إلى معرض ييو، ولكنهم مجبرون على ذلك".
أطلُّ من النافذة، على مصانع ألمانيةٍ للسيارات، بخاصَّة سكودا، ومرسيدس... وغيرها؛ فخرَ الصناعة الألمانية، التي كانت يوما ما رائدة العالم؛ ولكني أحسُّ أنها لم تعُد تملك نفس الألق؛ فحين تشيخ الأفكار والاستراتيجيات، تشيخ المدن والمصانع والأسواق والحركات، بل أعتى ماركات السيارات...
أقول: لا ينبغي أن يأخذنا الزهوُ، ولا أن نترقَّب من سيقوم، ومن سيسقط؛ ولكنَّ الواجب أن نسائل ذاتنا نحن: هل نحن في المتن أم أننا لا نزال على الهامش؟ هل صُغنا مؤشرات لنتقدم وجهة الريادة؟ أم أننا نتقهقر كلما تقدَّم غيرنا؟ هل بلداننا باتت مصانع ومتاجر وحركيةً اقتصادية هائجة، أم أنها لا تعدو أن تكون آبار بترولٍ تضخ الطاقة لغيرها، وأسواقًا تستهل سلع غيرها، ومصانع لا تحرك دواليبها إلا على وقع عقول غيرها؟
يبقى السؤال مطروحا، ونحن نقترب من محطة هابنهوف فرانكفورت (Frankfurt (Main) Hauptbahnhof)؛ وللحديث بقية، من محطات أو مطارات أخرى؛ ذلك أنَّ الحياة كلها تختصر في الوصول ثم المغادرة، في النزول ثم الإقلاع؛ والسرُّ كلُّه في حقيقة الأمر، لا في خياطة الوهم، ولوك الكلام... والله المستعان.
د. محمد بن موسى باباعمي
فرانكفورت يوم 20 ماي 2026م
