مركز الحضارة الإسلامية، بطشقند
(حين يُعتصر العلم اعتصارًا، تكون الغُربة في طلب العلم وطنًا)
10/4/20261 min read


بسم الله الرحمن الرحيم
مركز الحضارة الإسلامية، بطشقند
(حين يُعتصر العلم اعتصارًا، تكون الغُربة في طلب العلم وطنًا)
منذ صغري ولعتُ بزيارة المكتبات والمتاحف والمعارض؛ فما من رحلةٍ داخل الوطن، وما من سُفرة إلى خارج الوطن، إلاَّ وسارعتُ إلى تعيين أهمّ المعالم العلمية بها، لأحظى بالتجوال فيها، والاستقاء من مَعينها؛ وأتذكُّر أني في العاصمة الجزائر، في صغري، أعجِبت بمتحف "باردو" وولجته مرارا، ثم حين بني مقام الشهيد، وبني أسفله "متحف الشهيد"، كانَ الحدث تاريخيا بالنسبة لي، فقد عشت عبق "الثورة التحريرية" في روعة التمثيل والتصوير، وفي جمال الأضواء والحركات... والحقُّ أنه كان يومها شامة في جبين الوطن.
وإن كنتُ أنسى فلا أنسى رحلتيَّ إلى فرنسا: الأولى يوم كنت ابن عشر سنين، والثانية يوم بلغت السابعة عشر من العمر؛ وأهمُّ ما أذكر من ذلك أني تمتعت بمتحف "اللوفر" (musée du Louvre) أكثر من مرَّة، وعشتُ التناقض العقلي/القلبي بين عظمة المتحف وأهميته، والروح الاستعمارية التي تتقطَّر من معروضاته؛ وأوَّل متضرر منها الجزائرُ التي استعمرت قرنا وثلث قرن من الزمان من قبل فرنسا؛ ثم إني أعجبت بمتحف "قريفان" (Musée Grévin) للشمع، وللشخصيات المشهورة عبر العالم، المجسَّدة وكأنها تحمل روحًا ونفسًا، ولم يخل منه حتى مجسَّمات بعض مشاهير الرياضة يومها؛ ثم إني زرت معرضا لسيارات "الفرمولا واحد" (Formula 1)، وشاهدت بعض السيارات التي شاركت في السباق، قبل أيام؛ وكان الفائز في هذا العام النمساوي "نيكي لودا"، ومن الأوائل الفرنسي "ألان بروست"؛ وأظنُّ أنَّ السيارة التي عُرضت كانت للفرنسي طبعا.
*******
ليس الهدف من هذا المقالِ سرد جميع المتاحف التي زرتها في رحلاتي عبر العالم، ولعلَّ كتابا أتفرَّغ لتأليفه عن هذه الزيارات تكون له بعض الأهمية؛ لكنَّه مدخلٌ للحديث عن "مركز الحضارة الإسلامية" في طشقند، عاصمة أوزبكستان؛ الذي خصَّصنا له يوما كاملاً، ولم يكن كافيًا؛ فهو بحقٍّ تحفةٌ فنية وعلميَّة، نادرة المثال؛ وعلامة تاريخية وحضارية، قلَّ لها نظير؛ ذلك أنَّ "بلاد ما وراء النهر" لا تعدم العلماءَ والزعماء عبر التاريخ؛ فكثيرٌ من علماء الإسلام سواء في علوم النقل أو في علوم العقل هم من طينة هذه الأرض الطيبة الولود.
من حظنا – أنا وصديقي الأستاذ يوسف الرحبي - أنَّ المتحف افتُتح من قريبٍ، ذلك أنَّه فتح أبوابه للزوار شهر مارس المنصرم، أي قبل ستة أشهر فقط؛ وهو يقع قرب "مجمع حضرة إمام"؛ وقد بني بأحدث تقنيات البناء المعاصرة، لكن وفق الطراز الأوزبكي للعمران؛ وتبلُغ مساحته عشرة هكتارات كاملة؛ وبه عدَّة قاعات: قاعة الاستقبال وفيها لوائح للعلماء الكبار تخاطب الزائر باللغة التي يختار، معرّفة بنفسها، ناصحة الأجيال الجديدة، بعبارات منتقاة بعناية؛ ثم قاعة ما قبل الإسلام، وقاعة القرآن الكريم، وقاعة النهضة الإسلامية الأولى والثانية، وقاعة المجد للتاريخ والحضارة الأوزبكية، وقاعة أوزبكستان الحديثة... وغيرها.
*******
أقرُّ أني انبهرتُ بالمحتوى العلمي والفني للمركز؛ فالمعروضات ليست مجرَّد مجسَّمات جامدةٍ، وإنما هي كياناتٌ متحاورةٌ بها روحٌ وحياةٌ؛ وضمن العرض مخطوطاتٌ ورسومٌ أصلية، تعود إلى العصور الذهبية للعلوم عند المسلمين؛ فهنا تلمس النسخ الأصلية، أو القريبة من الأصل، لكل من: "الجامع" في الحديث للبخاري؛ و"الكشاف" في التفسير للزمخشري؛ و"القانون في الطب" لابن سينا؛ و"القانون المسعودي" في الفلك؛ و"تحقيق ما للهند من مقولة" للبيروني؛ و"الجبر والمقابلة"، و"صورة الأرض" للخوارزمي... ثم تتجوَّل في "مرصد ألوغ بك" وكأنَّك تتلمَّسه، وتعاين أبرز الاكتشافات في جميع المجالات صوتا وصورة...
*******
ولو أننا أخذنا مثالا واحدًا لهؤلاء العلماء الأفذاذ، كيف وُلدوا وترعرعوا في هذه البلاد، ثم كيف تنقَّلوا في أرض الله إمَّا طلبا للعلم، أو بنية نشر العلم؛ لكان ذلك عبرة لنا أي عبرة؛ ولتكن قصَّة إمام المفسرين جار الله أبي القاسم محمود بن محمد الزمخشري عبرةً لنا:
"نشأ الزمخشري وعاش شطرًا من حياته في بلاد ما وراء النهر، بين خوارزم وبخارى؛ حيث تبحّر في علوم العربية: من نحوٍ وبلاغةٍ؛ حتى صار إمامَ عصره، وكتب فيها كتبا منها "أساس البلاغة"؛ ورغم مكانته العلمية الكبيرة وثروته الطائلة، إلاَّ أنه أصيب بمرضٍ شديدٍ في خوارزم، أشرف فيه على الموت؛ فنذر لئن عافاه الله ليخرجنّ مهاجرًا إلى بيته الحرام، وليجاورنّ مكَّة المكرمة مستغفرًا متفرغًا للعبادة.
وحين مَنّ الله تعالى عليه بالشفاء؛ تحرَّكت لواعجُ الشوق في قلبه، وكتب قصيدته الرائية الشهيرة التي وثّق فيها نية هجرته ووداعه لأوطانه، ومنها قوله:
يا مَن يسافر في البلاد منقِّبا...إني إلى البلدِ الحرام مُسافر
إن هاجرَ الإنسانُ عن أوطانه...فاللهُ، أولى ما إليه يهاجَرُ
بفِناء بيتِ الله أضربُ قبَّتي...حتى يحلَّ بي الضريحَ القابرُ
وصل الزمخشري إلى مكَّة المكرمة سنة 516 هـ/1122م، وضربَ خيمته وقبّته بفناء الحرم المكي؛ واستمرَّت إقامته الأولى بالحرم نحو خمس سنوات؛ عكف فيها على العبادة والصلاة، واستقبالِ طلاَّب العلم الذين وفدوا إليه من كلّ حدَبٍ وصوبٍ؛ لينهلوا من علمه في اللغة العربية والبلاغة، وسائر العلوم.
ولم تكن رحلةُ جار الله للتعبُّد فحسب؛ بل كانت فرصةً للعطاء العلميّ، وممارسة العلم من أوكد العبادات؛ فخلال مجاورته بمكة وبطلب من أميرها والعلماءِ هناك، قام بتأليف كتابه الشهير في تفسير القرآن الكريم "تفسير الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل" ويذكر في مقدّمة الكتاب أنه اختصر خطَّته الأصلية التي كانت ستستغرق 30 عامًا، لينجزه في عامين تقريبًا، تبركًا بالحرم، وإلحاحًا من طلاب المعرفة للرشف من معينه.
بعد سنوات من المجاورة، اشتدَّ به الحنينُ والشوق إلى مسقط رأسه بخوارزم، فقرَّر العودة إليها. وتوفي في مدينة الجرجانية بخوارزم ليلة عرفة سنة 538 هـ/1143م، تاركًا خلفه إرثًا من العلم، تفسيرا لكتاب الله تعالى لا يجاريه أحد، وكتبا في البلاغة واللغة لا تزال من أمهات المصار في فنها.
*******
ولا زلت ولن أزال أتأمَّل في مفهوم "الوطن"، وأعتقد أنَّ "الوطن" رهين بالحرية وبانفتاح المرء على العلم، وحيث تسدُّ أمام المرء أبواب العلم، لزم عليه أن يتغرَّب ويسافِر؛ ولقد قلتُ يوما: "أصلّي الحضر حيث أمارس العلمَ، والسفرَ حيث تغلَّق عليَّ أبوابُ العلم؛ ووطني هو العلمُ لا المكانُ"؛ واليومَ، وأنا في هذه البلاد التي يُعرف عن جل علمائها أنهم تغرَّبوا في سبيل العلم؛ أقرأ لأبي الريحان البيروني مقولته الحكيمة: "إنما يقطع المرء الفيافي والبحار ليسمع كلمة حُكمٍ، أو يرى أثر علمٍ، فالغُربة في طلب المعرفة وطن."
وحكمة أخرى جاء فيها: "الوطن ليس بالضرورة المكانُ الذي ولدت فيه، بل المكان الذي ينشط فيه عقلك، ويزداد فيه علمُك."
وينسب للإمام أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (ت. حوالي 150ه/762م) قوله: "إنكم جئتم تطلبون ميراث النبوَّة، فاحملوه بحقِّه، واصبروا على وعثاء السفر والبعدِ عن الأهل، فإنما تُنال الإمامةُ في الدين بالصبر واليقين."
ويقول أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر الفرسطائي (ت. 504ه/1110م): "مَن قعد في بيته، واكتفى بكتبه، عَمي عن فقه النوازل؛ وإنما تتقطع الفيافي لتُسمع الأحكام من أفواهِ الرجال، فتغرَّبوا؛ فإنَّ في الغربة جلاءً للأفهام، وتثبيتاً للأحكام."
وفي سير الوسياني (كان حيا حوالي 557ه/1161م) حكمةٌ غير منسوبة، جاء فيها: "مرحباً بمن ترك عاجل أُنسِه لأجل آجل دينه، ومن فارق الأهل والولد ليكون من ورثة الأنبياء؛ إنَّ خطَى المغترب في العلم تُكتب عند الله خطَى جهاد."
وأمَّا قطب الأيمة الشيخ اطفيش (ت. 1332ه/1914م) فيقول: ""طالب العلم كالغيث، لا يستقرُّ في موضع واحدٍ، حتى يُحيي به الله البلادَ. فلا تضجروا من الغُربة، فإنَّ غربة الجسم لأجل الدين هي القربة العظمى التي ترفع العبد درجات."
*******
إني وإن لم أكن من صنف هؤلاء العلماء الأعلام، غير أني آخذ بالحكمة التي توصي بالتشبه بالكرام، ففي الغربة التي اغتربتها، وفي الأسفار التي اقتحمتها، تقف نية واحدةٌ، أسأل أن تكون خالصةً صافيةً؛ هي "نصرة الدين بالعلم، وهداية العلم بالدين"؛ وأعتقد جازما أنَّ الأمم لا ترتقي إلاَّ بالعلم، ولا يأفل نجمها إلى بالجهل...
ولا يسمَّى علمًا ما كان مجرَّد تقليدٍ أو ترديدٍ؛ وإنما العلم ينال بالاجتهاد، ووصل الليل بالنهار، ويدركُ بهجران المتع واللعب، وترك النوم وطول الراحة؛ ويحلو بركوب المخاطر والصبر على المصاعب.
د. محمد بن موسى باباعمي
مستشار معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية، بسلطنة عمان
طشقند؛ الخميس 21 ربيع الآخر 1448ه/3 أكتوبر 2026م
