ماذا يعني نوفمبر للجيل الجديد؟

هكذا فليكن نوفمبر أو لا يكون

محمد باباعمي

11/1/20241 min read

في سوقٍ عصرية بها كلُّ البضائع الجديدة المبتكَرة، المفيد منها والضارُّ؛ جاءَ رجل أشعث أغبر من الماضي السحيق، فنصب خيمته المهترئة، ثم عرض بضاعته القديمة، ولم يكن من بين الرواد مَن يلتفت إليها؛ ذلك أنّه لم يـُحسن عرضها، ولم يدرك الزوار مغزاها؛ فلا صاحبُ البضاعة عرف كيف ينفخ الروح في القيمة الكبرى التي بين يديه، ولا الزبائن الحضور استطاعوا أن يفرقوا بين ما يبلى وما لا يصيبه البِلى؛ وكلُّ الخوف أن يتحول نوفمبر وأهلُه إلى هذه "الصورة الإدراكية"، ثم لا يدركوا خطورة ذلك عليهم وعلى وطنهم؛ ولهذا جاءت الخاطرة:

حين يكون "نوفمبر" مجرَّد تاريخٍ مجيدٍ نقرأه ضمن مادة التاريخ في مدارسنا؛ فلا مرحبا به.

وحين يكون مجرَّد احتفالاتٍ سنوية، تُرفع فيها الأعلام، وتنظَّم اللقاءات، وتُلقى الكلمات، وتنشد الأشعار والأغاني؛ فلا مرحبا به.

وحين يكون نوفمبر للبعض وسيلة للتخدير بالأمجاد، ومناسبة للتذكير بالماضي المجيد، من أجل نسيان الحاضر العنيد؛ فلا مرحبا به.

بل، حين يكون للبعض الآخر فرصةً للتشكيك في القيم، والهوية، والتاريخ، وضربِ أصالة هذا البلد؛ فلا مرحبا به.

نوفمبر أكبر من "حدث عابرٍ"، أو "عيد مجيدٍ"، أو "مناسبةٍ سعيدة"...

نوفمبر "عهد"، "ومشروع"، "والتزام"، و"تكليف"، و"أمانة"، و"ومعيار"، و"إمكان"، و"ماض وحاضر ومستقبل".

ألم يكن نوفمبر بمواثيقه، وبنوده، ومرجعيته... "عهدا" بين الجزائريين لمواجهة المستعمر الفرنسي الظالم، حتى تحقيق النصر، وبلوغ مرحلة الاستقلال الوطني؛ مهما كلَّف ذلك من تضحيات جسام؟

ألم يكن "مشروعا" وطنيا، لتجميع أبناء الجزائر العزيزة، على صعيدٍ واحد، وهدفٍ واحد، وتحتٍ راية واحدة؛ ونبذ جميع أشكال التفرقة المشؤومة، والاختلاف المقيت؟

ألم يكن "التزاما" من كل مواطنٍ حرٍّ أبيٍّ أن يجتهد ويجاهد، وأن يستفرغ الوُسع في الثغر الذي يرابط عليه، وعلى التلة التي يقف فيها؛ لتحقيق العزة لبلده الأبي؟

ألم يكن "تكليفا" غالٍ عزيزٍ صعبَ المراسِ، لا تشريفا رخيصًا حُلو المذاق؛ فالعطاء هو منطقه وغايته، والأخذ هو عدوه وسلبُه؟

ألم يكن نوفمبر مسؤولية على الجميع؛ و"أمانة" عند الجميع، مَن وفَّاها فقد وفى، ومن خانها فقد خان؛ والأمانة حملٌ ثقيل على أكتاف البلَّغ الأحرار الشرفاء؟

ألم يكن نوفمبر "إمكانا" بعد أن اعتقد الكثيرون استحالة أن تتحرَّر الجزائر بعد قرن ونصف القرن من الزمان، تحت نير المستعمر الغاشم الظلوم؟

نوفمبر، بالنسبة لنا، هو الماضي، وهو الحاضر، وهو المستقبل؛ وليس أشدَّ على النفس إيلاما من خيانة المبادئ، ونقض العهود، وإدارة الظهر للبنود.

بل الذي يؤلم أكثر هو أن تبقى الجزائر في ذيل الأمم، بينما نوفمبر جاء ليعلو بها إلى المقام الأعلى، ويضعها في مصاف البلاد المتقدمة، العزيزة، الكريمة.

ولكن، كيف يتم الاحتفال بنوفمبر اليومَ؟

سؤال، ليست الإجابة عليه بالحبر على الورق، ولا هي بالأمر المستعجَل، ولا تكون ارتجالا ولا استعجالا... إنما الإجابة تكون في الميدان، بالدم والعرَق؛ وفي مواطن الجهاد والاجتهاد، بالنفس والروح وبكل المقدَّرات.

هكذا فليكن نوفمبر أو لا يكون...

وهكذا، فلنكن حيال نوفمبر أو لا نكون...

جميع حقوق الموقع محفوظة 2024