قراءة في رواية "بوبال"
Blog post description.
أصداء وقراءات
فافة الشيخ صالح
11/6/20101 min read


منذ أيام قرأت رواية «بوبال"... و بعد أن اطلعت على هذا الموضوع قررت، رغم ضيق الوقت، الكتابة عنها. أقدم هنا قراءة أولية للرواية قد تفتح الشهية لقراءة نقدية أدبية مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار الجانب الجمالي و البنائي للرواية. تروي لنا رواية "بوبال" قصة شاب هندي مسلم وبحثه عن الذات وعن الهوية، تحكي لنا سعيه للنهوض بعد أن تعرض لمحنة قاسية كادت تضع حدا له.
يحاول الشاب يونس (بطل القصة) أن يجد معنا جديدا لحياته بعد أن فقد جميع أفراد عائلته عقب كارثة التسرب الغازي من مصانع الاحتلال التي أصابت بلدته الجميلة المطلة على البحيرات الهادئة وأبادت من فيها من سكان، ولم يكن يونس سوى ذلك الطفل الذي نجا بأعجوبة كما القليل من أهل مدينته المسماة "بوبال": كُتب ليونس عمرا جديد فعاد إلى الحياة تماما كما عاد النبي يونس بعد أن التقمه الحوت ونجا من بطنه.
رواية بوبال تحملنا إلى عالم يبدو للمرة الأولى خيالي وهذا لحسن صياغة الإطار الزماني والمكاني الذي وضعنا فيه الكاتب، إلا أننا ومع قليل من البحث نكتشف أن كارثة "بوبال" كانت واقع مؤلما تعرض له الكثير من الأبرياء فأودت بهم إلى الموت وجعلت ممن بقي منهم مرضى أو معاقين.
أول إحساس ينتاب القارئ وهو يتصفح الصفحات الأولى من الرواية، هو إحساس الأسى والألم لأن الرواية تتعرض لكارثة إنسانية يندى لها جبين كل إنسان وكل صاحب ضمير حي في هذا العالم. لكن... سرعان ما يتحول الإحساس إلى شعور بالذنب... بل إلى شعور بالخجل وبالعار هذا للجهل الذي أعمانا عن رؤية ما تعرضت له تلك المدينة الهندية المسلمة: كيف عرفنا كل شيء عن تشرنوبيل الغرب وجهلنا ابسط شيء عن "بوبال" الشرق ؟
كان على يونس، بعد أن فقد كل شيء، أن يستمر في الحياة خاصة بعد أن انعم عليه القدر بعائلة تكفلت به وهو طفل وحيد. وفي رحلة حياته إلى أن أصبح شابا خاض يونس مغامرة البحث عن ذات جديدة وعن هوية حقيقية حيث حاول التفتيش عن معنى إنساني جديد للقرار والاختيار فوقع فيما نقع فيه جميعا: " انفصام شخصية". فتراه كثير التفكير و التأمل، كثير التحاور مع جزئه الثاني، كثير الصراعات الداخلية إلا أن صراعه ضد الجهل والتخلف كان اكبر قوة تسير به قدما إلى الإمام... فيونس يتمتع برؤية ثاقبة ... يبحث وهو يعرف تماما ما يفتقد.
تضعنا الرواية وجها لوجه أمام ذلك الإنسان (الذي هو أنا وأنت.. ذلك أن الحقيقة تبقى واحدة ناصعة بينة.. لا غبار عليها.. حتى وإن اختلف الزمان والمكان، وتباين الحال والمآل..) وهو يخوض صراعا ضد الجهل والتخلف، صراعا بين الواقع المظلم وتطلعات النهضة والتغير... يونس يعود للحياة ليعيشها وفق منظور جديد له أبعاد روحية وحضارية فتكون من محطاته الجديد رحلة الحج الذي تأخذه إلى "مكة" فيلتقي بكاتب الرواية ويتعرف عليه. لقاء يغير انطباع القراءة ويفتحها على عوالم الأدب الفسيحة ومنها إلى تأملات الخيال وعلاقته بالنفس البشرية.
من خلال هذه الرواية يبدون لنا المؤلف وهو يطرح التساؤلات التي تعبر عن أساس عالمه الفلسفي والروحي: كيف نستطيع أن نعطي منحنا آخر لحياتنا، من خلال نفض غبار المحن والنهوض للبدء من جديد دون ركون ليأس أو ضعف. ذلك أن أعظم لحظات المحنة ليست عقاباً سماويا كما قد يتبادر لذهن القارئ وهو يتعرف على مأساة أهل "بوبال" ، بل هي تحدٍّ مطروح أمام الإنسان، تحدِّ تفرضه الظروف المأساوية التي يعيش فيها إنسان العصر (خاصة المسلم). وهكذا يعطي الكاتب معنىً جديداً لمأساة الأمة: إنّ ما هو مفروض علينا في حياتنا ونظنه ثابتاً، هو في الحقيقة عابر. أمّا الثابت، فهو ما نستطيع استخراجه من دروس الواقع المأساوي وما يمكن أن ننجزه لتجاوزه.
