رواية بوبال والشّكوى من البلبال

أصداء وقراءات

د. محمد قاسم ناصر بوحجام

12/12/20101 min read

أخي الكريم الدّكتور محمد بن موسى بابا عمّى، السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته. متّعكم الله بالصّحّة والعافية، وزادكم بسطة في العلم، ووفّقكم في مشروعاتكم التّرشيدية والإصلاحية والتّغييرية. عرفنا فيكم – أخانا – كثرة التّرحال إلى مراتع العلم، والتّطواف حول منابع المعرفة، والتّنقّل إلى مراكز الثّقافة، والضّرب في الأرض لابتغاء فضل الله، والمشي في مناكبها والأكل من رزقه، ثمّ النّشور في دروب الحياة، كما تنشُرُ الأرضُ، أصابها الرّبيع فأنبتتْ، ثمّ الانتشار فيها لنشر ما تحصلون عليه من هذه الأرزاق المعرفية ليفيد منها خلق الله من مختلف الفئات والتّوجّهات والأمزجة والذّهنيات، فحصل لكم من كلّ ذلك فضل جليل، ونالكم منه شرف أثيل، فكنتم بهذا الرّجلَ الرّكين الكبير، والشّهمَ المكين الأثير. هنيئًا لكم هذه المكارم، وسقيًا لكم هذه العظائم، فمزيدًا من النّصر نرجوه لكم في معركة التّربية والتّكوين والوعي والتّنوير والتّرشيد، ألا لا نامت أعين المرجفين والمثبّطّين، والقاعدين في طريق الإصلاح والتّغيير والتّرشيد.

تميّزت حياتكم العلمية بالتّرحال من فرع إلى فرع، والتّجوال في مختلف المضامير، مؤمنين أنّ مجالات المعارف وميادين العلم كلّها تتفرّع من جذع واحد، ولو ظهرت بألوان مختلفة، وتشكّلت بأشكال متنوّعة، لهذا ما فتئتم ترحلون من مجال إلى مجال، ومن فضاء إلى فضاء... من ميدان الرّيّاضيات في الثّانوية العامّة، إلى مضمار العلوم الإسلامية في المرحلة الجامعيّة،، إلى ساحات الفكر في الدّراسات العليا، إلى ما ارتبطتم وتعلّقتم به في الحياة العملية، ثمّ إلى رياض الأدب، تشمّون رياحينها، وتقطفون ورودها، وتردون من حياضها، وتسهمون في إضافة زهرات لها، تضوع شذى، تسعد من يجاورها ومن يقترب منها...وكنتم في كلّ باحة تبدعون وتنتجون، وفي كلّ روض تزهرون وتثمرون... زادكم الله قوّة، وأمدّكم بعون منه؛ حتّى تلمعوا وتبرعوا، وتضيئوا وتشعّوا في الفضاءات والمجالات المختلفة.

في فضاء الأدب قرأنا لكم روائع في الخواطر والمقالات والمذكّرات.. آخر هذه الإبداعات رواية " بوبال Bhobal " مذكّرات هارب من الموت ناج من بطن الحوت ". لقد سجّلتم بها علامة، تضاف إلى علامات شخصيتكم المتميّزة بالإبداع والتّحليل والنّقد. كما قامت الرّواية معلمًا من معالم فكركم، المتّسم بالجدّة والإضافة، وجاءت دليلاً على علوّ هامتكم وهمّتكم في تحمّل مسؤولية التّوجيه والتّصحيح والتّرشيد. هنيئًا لكم ولوج هذا المجال الرّحب الفسيح، المهمّ المناسب لنشر الأفكار، وبثّ الوعي، والتّواصل مع المجتمع.

اسمحوا لنا بهذا التّعليق على هذه الرّواية التي شدّتني بمضمونها وأفكارها، وأسلوبها...:

1 – أبانت الرّواية عن نبل الرّسالة التي حملَتْها إلى القارئ المسلم بخاصّة، يظهر هذا في الدّافع لكتابتها، وطريقة توجيه الأحداث فيها، والنّهاية التي انتهت بها، والنّتائج الني خلصت إليها.

2 - تميّزت بسعة المعارف، وعمق الفكر، والرّؤية المستقبلية، والمهارة في التّحليل والنّقد..التي يتمتّع بها كاتبها. كلّ ذلك كان حصاد قراءات متنوّعة واعية هادفة ممنهجة. إلى جانب الرّوح الإسلامية التي انتظمت خيطًا، رُصِّعت فيه أفكار الرّواية ومقاطعها، فاصطبغت بالرّؤية الإسلامية، يظهر هذا في الكلمات المنتقاة، والتّراكيب المختارة، والصّياغة الموجّهة. التي كان لحضور الآيات القرآنية نصيب كبير فيها؛ بالعمد إلى الاقتباس والإشارية في التّصوير والتّفسير والتّأويل.

3 – اشتملت الرّواية على السّرد والوصف والخيال والتّاريخ ومفهوم الرّسالة والأمانة، وحقيقة الواجب...

4 - حملت الرّواية رسائل عديدة إلى كلّ من يهمّه أمر المسلمين، وإلى كلّ من يعنيه شأن البشرية، وإلى كلّ من يفقه حقيقة الواجب المنوط به لعمارة الأرض وبناء الحضارة.

5– حرصت الرّواية على ربط الفرد بالأصول والمبادئ وقواعد العمل الصّحيح، ومنهج التّحرّك السّليم، والتّوجيه الواعي، والتّنشئة القويمة القويّة. هذا ما منح الرّوايةَ قيمة فنّية وفكريّة.

6– للخيال فسحة واسعة في الرّواية، عمد إليه الكاتب ليوجّه الأحداث بطريقته الخاصّة، ووفقًا للخطّة التي وضعها، واستجابة للأهداف التي سطّرها لكتابة هذه الرّواية.

7- شخصية الكاتب بارزة في الرّواية، تطلّ علينا في أغلب فقراتها، بل إنّ كثيرًا من فصولها حمل إلينا أفكار الكاتب الخالصة، بطريقة فنيّة وذكيّة. وفي سرد أحداث الرّواية نقرأ إسقاطات فكرية ورؤى خاصّة بالكاتب. بل يتعدّى ذلك أحيانًا إلى الوقوف على إسقاطات لسيرته الذّاتية.

8– إنّ الشّخصية الفكرية في الرّواية نافست الشّخصية الأدبية. دليلنا على ذلك:
أ – إنّ كلمة "فكر" بمشتقّاتها وردت بكثرة في الرّواية، يمكن عدّها (الكلمة المفتاح) في النّصّ.
ب – ربط مجريات الرّواية المتخيّلة في كثير من فصولها بأفكار مفكّرين كبار ورجال عِلْمٍ أعلام، بينما لم ترد أسماء الأدباء إلاّ قليلاً. فالكاتب كان يرمي من ذكر أفكار من حظوا بالحضور في الرّواية دعم آرائه ونظراته فيما عرضه ودعا إليه بمن يراهم الأقرب إلى شخصيته، فكان الحظّ في الرّواية إلى جانب المفكّرين على حساب الأدباء، بالرّغم من كونها حظيرتَهم ومرتعهم وميدان إبداعهم.

9 – الحوار كان ناقصًا في الرّواية، ناب عنه السّرد والوصف وحديث النّفس، أو الحوار مع النّفس، أو الحديث الدّاخلي (المونولوج). ما تفسير هذا؟ وما انعكاسه على الرّواية فنّيًا؟

10 – ماذا يقال عن بعض الاستطرادات التي جاءت على لسان بطل الرّواية: تسجيلاً لواقع المسلمين، ونقدًا له، وتوجهَ رسائل، تقفز منها على السّطح الرّسائل التي يريد الكاتب توجيهها إلى من هو معنيّ بها؟ هل يرى بعض القرّاء في التّصرّف تجاوزًا لحدود الكتابة؟ وخروجًا عن ضابط الالتزام بما يتحمّله الحدث الرّئيس في الرّواية؟ وإثقالا أو تكديسًا وتراكمًا على حساب موضوع الرّواية؟

11– هل يمكن أن نقول: إنّ الرّواية حمّلت الطّالب المتخرّج حديثًا من الجامعة أكثر ممّا يحتمله عقله، وأنطقته بأفكار تحتاج في بلورتها إلى فترة زمنية معيّنة من التّجربة والممارسة العمليّة، وتتطلّب مدّة كفاية لقراءتها واستيعابها ثمّ نقدها، ثمّ تقديمها ونشرها؟

12– ما هو دور "محمد يونس " بطل الرّواية في الانتقام لحادث (بوبال)؟ وما هو عازم القيام به للانتصار لحقّه وحقّ بلدته، وأخذ الثّأر من الماكرين الغادرين المتسبّبين في مأساته ومحنة قريته؟ أم أنّ الكاتب ركب صهوة هذا الحدث لينقل أفكاره هو؟ حتّى ولو قال الكاتب في أثناء الرّواية: "... صدقتَ..إنّ الطّائر إذا حلّق ولم يعد إلى عشّه ليحمل إلى أهله خيرات المدى، مآله الضّياع.. أمّا الطّائر الذي لا يغادر عشّه خشية التّحليق والمخاطر، فمصيره الفناء...
عشّنا الأوّل هو (بوبال)، وعشّنا الأكبر هو (الهند)، ثمّ أكبر منه العالم الإسلامي، ثمّ العالم بأسره..
أخي محمد، إنّك لو كنت مكان مدير شركة المبيدات السّامّة، أقصد الشّركة الأمريكية للكيماويات" ucc " وحدثت الكارثة، فمات جرّاءها الآلاف..ماذا كنت ستحسّن، وماذا كنت ستفعل؟ محمّد متعجّبًا من السّؤال، ذي الجواب البديهي في رأيه:
- معاذ الله، أنا لا أتحمّل قتل روح واحدة، روح عصفور غرّيد، أو نملة عمّالة...فكيف أطيق تحمّل موت إنسان بسببي...لا...لا...مستحيل أن أتصوّر قتل الآلاف مهما، كانت الأسباب...إنّي أخشى عقوبة الملك الدّيّان، أخاف من هول الحساب الأكبر... فالإنسان عندي هو أكمل معنى من معاني الحياة. روحه مقدّسة عند الله وظلمه ظلم الوجود كلّه." (ص:99، 100).
إنّ محمد مهانجير هرب من الموت ونجا من بطن الحوت، ثمّ ماذا؟

13– مضمون الرّواية ومغزاها ودلالاتها تظهر في المقطع الثّامن والأخير، هل يشفع للكاتب هذه النّهاية؟ هل يقبل القارئ، ويرضى ويقتنع بما جاء في المقطع فنيًّا ومنهجيًا وواقعيًّا؟ هل تعدّ هذه النّهاية داخلة في نسيج الرّواية؟ هل يمكن إقحامها في سداها ولحمتها؟ هل ولادة المقطع هو ولادة طبيعية من رحم الرّواية؟ هل الثّمرة التي حملها المقطع هي الثّمرة الحقيقية الج تناة من شجرة هذه الرّواية؟

14 – ما هو مضمون الرّواية الحقيقي؟ ما ذا يريد الكاتب، أو محمد مهانجير أن يقوله للعالم؟

15– أظنّ أنّ القرّاء سيختلفون في تقويم الرّواية؛ انطلاقًا من واقعية الأحداث المروية، وحقيقة الحدث وطبيعته، الذي انطلقت منه الرّواية، وكان الدّافعَ إلى كتابتها، ودور الخيال في توجيه الأحداث فيها، والرّسائل الموجّهة عبرها، والنّهاية التي انتهت بها...

أخي محمّد هذه ملاحظات أوّلية عن عملكم الجليل الهادف، نهنّئكم مرّة أخرى على التّوفيق فيه. عسى أن تتاح لنا فرصة أخرى لقراءتها ونقدها، وفي انتظار المزيد من هذا اللّون من الكتابة نستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.

من تجليّات القدر أنّي قرات هذه (تَانْفُوسْتْ) في منطقة (تَامَنْفُوسْتْ) في صبيحة الجمعة المباركة، والبحر أمامي، واللّون الأخضر يحيط بي من كلّ جانب، مبعثه الأشجار المحيطة بالمنزل، والنّسيم كان عليلاً، يمرّ على أديم البحر ثمّ ينتقل إليّ نديًّا في الغرفة، فينعش جسمي، ويشجعني على إكمال قراءة الرّواية...رغم أنّي انتقلت بنسخة الرّواية إلى أماكن كثيرة، عساي أجد فرصة لقراءتها، فلم أتمكّن من هذا إلاّ في هذا المكان. ما هو السّرّ؟ السّرّ أنّ الله قدّر، وليس في مقدورنا أن نأتي إلاّ ما اختاره الله لنا. فكانت قراءة الرّواية في هذا المكان مباركة وذات دلالات كبيرة:

1 -بين فضاء الجنس الأدبي ومنطقة قراءتها علاقة حميمية ربطت بينها الحروف المكوّنة للكلمتين.
2 – جوّ المكان الرّائق الرّائع اقترن إلى مقاطع الرّواية الشّيّقة المشوّقة، فجاء القِرانُ حسنًا بديعًا، جوًّا جميلا وروحًا لطيفة. زاد ذلك في روعة القراءة، وحسن الاستيعاب.

هنيئًا لكم النّجاح في التّجربة الأولى في الكتابة في هذا اللّون الأدبي، وسقيًا لنا حسن قراءتها والإفادة منها، والسّلام علبكم ورحمة الله.

جميع حقوق الموقع محفوظة 2024