سمرقند... أولستِ عروسة ما وراء النهر؟

(سمرقندُ عُودي إلى شبابِك... فيحلو الوصال)

10/6/20261 min read

بسم الله الرحمن الرحيم

سمرقند... أولستِ عروسة ما وراء النهر؟

(سمرقندُ عُودي إلى شبابِك... فيحلو الوصال)

أعتذر للشعراء "إذ تسوَّرتُ عليهم المحراب"، فقطَّعتُ أوصال أنغامهم لـمَّا "طرقتُ عليهم الباب"؛ وأعتذر إلى "الماردِ" الذي جرَّأني فنسجتُ القوافي، والجاهلُ جسورٌ يقفزُ، ثم يطيرُ، وهو يعدِم القوادم والخوافي؛ وأعتذر ثالثةً لقارئي، وقد ضيَّعتُ عليهِ خطَّ السير في الرحلة إلى طشقندَ وسمرقندَ، حتى تبدَّدت أمامَه "الآثار والإشارات"، وغابت مِن ناظره "النجومُ والعلامات"...

جئتُ سمرقندَ وسْنانَ بعد طولِ سهرٍ، كما يأتي الزمانَ بنوهُ على حدّ الخطرِ؛ ومِثلي مثلُ الشاعر الهائم أبي الطيب المتنبي، في قوله: أَتَى الزَّمَانَ بَنُوهُ فِي شَبِيبَتِهِ ... فَسَرَّهُمْ وَأَتَيْنَاهُ عَلَى الْهَرَمِ

فقلت مخاطبا سمرقندَ:

سمرقندُ عودي إلى شبابكِ تَسعدي وتُسعدي...

سمرقندُ عودي إلى شبابك فيحلو الوصال...

سمرقند أولستِ عروسة ما وراء النهرِ؟

أقول – وربَّ الكعبة – إنَّ هذا المعنى ليس مجرَّد خيالٍ أدبي جامحٍ؛ وإنما هو "ألمٌ وسهمٌ وجرحٌ" أصابنا حين دخلْنا سمرقند من "باب الشرق"؛ فرمتْنا - ونحن الذائبيْن في عِشقها – بسهامٍ أصابتنا في مقتلٍ:

كيف ذلك؟

***

الحضارة في سمرقند "كالمسك في أرضه، نوعٌ من الشجر"

إذا كانت البلدان تجمّع شتات تراثها لتُري للعالمين معالم حضارتها، فإنَّ مظاهر الحضارة في سمرقند "كالمسك في أرضه، نوعٌ من الشجر" (الحطبِ).

كلُّ ركنٍ من أركان سمرقند يحكي قصَّة المجد التليد؛

كلُّ نسمة ريحٍ... كلُّ قطرة ماءٍ... كلُّ ذرَّة ترابٍ تعيدك إلى ذروة الحضارة البشرية في صمتٍ؛

إلاَّ أنَّ بريق الحضارة في جنبات المدينة العريقة، بدَا شاحبًا حزينًا، فكانت ككاعبٍ شاخَ شبابها ولم يتجدَّد... والصبُّ العاشقُ مثلي لسمرقند، يَلحظ على صفحة وجه العجوز الصَّبوح أماراتِ الجمال الأصيل، الجمالِ غير المجلوبِ، وقد أنهكه الزمن، ورماه الدهر بكلّ داء.

مِن يومِ وضع القائدُ المغوليُّ "جنكيز خان" رجلَه القذرةَ على أرض سمرقند، فيما عُرف بالنكبة الكبرى (عام 617ه/1220م)... ثم أعاد إليها "تيمورلنك" شبابها وبلغت على يديه ذروة مجدها؛ إلى أن وطئها الروس بقيادة الجنرال "قسطنطين فون كوفمان"، عام 1868م؛ فأحرقوا الأخضر واليابس، ولا تزال روائح الشيوعية المقيتة تفوح في بعض مظاهر المدينة الطاهرة؛ وهي بحول الله تتعافى وتستعيد نضارتها وجمالها.

***

حضارة الحرف العربي

عدتُ من سمرقند إلى طشقند، وأنا أقول لصاحبي الرحبي الأديب:

واللهِ، ثم واللهِ... أقسم ثلاثا غير حانثٍ؛ أنَّه لا تحقّق أمَّة "أسباب الحضارة"، إلاَّ بلغةٍ واحدةٍ لا ضرَّة لها، ولا شريكَ، ولا مُعانِد؛ ولا تُعرَفُ حضارة واحدةٌ قامت بلغةِ غيرها، أو بأكثرَ من لغة؛

فحضارة "ما وراء البحر" عربيَّةُ الحرف، عربيَّةُ الهوى، عربيَّةُ اللسان، عربيَّةُ المنطق... وحتى ما كتب بالفارسية، كُتب بالحرف العربي، واعتمد المصطلح العلميَّ العربيَّ؛ وما أريدَ له أن يكون عالميًّا كونيًّا من العلوم والمؤلَّفات، دوّن بالعربية، أو ترجم إلى العربية...

وما ممارسة اللغات الأخرى إلاَّ للاستزادة وتوسيع الأفق لا غير؛ ولذا تخرَّج في هذه الربوع مَن يُعتبر رائدا ومؤسّسا "لعلم الإنسان" الأنثروبولوجيا، و"الدراسات المقارنة للأديان"، و"علم التاريخ الثقافي" من خلال كتابه "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"، أعني أبا الريحان البيروني؛ وقد ألَّفه في أربعين عامًا، وأتقن لأجله اللغة الهندية وغيرها، واستقرَّ في الهند لسنوات؛ إلاَّ أنَّ اللغة الأساس في التأليف كانت "اللغة العربية".

ولقد تعرَّضت أوزبكستان والبلاد المجاورة، بل وحتى تركيا أتاتورك، عام 1346ه/1928م إلى أبشع جريمة عرفتها البشريةُ، جريمة نقل الناس بجرَّة قلمٍ إلى الكتابة بالحرف اللاتيني من الحرف العربي؛ ثم عام 1358ه/1940م فرض "جوزيف ستالين" التحوُّل إلى الحرف السيريلي (الروسي) على المستعمرات منها أوزبكستان، وفي عام 1414ه/1993م عادت إلى الحرف اللاتيني؛ واليوم تجد اللغة الإنجليزية تغزو كلَّ لسانٍ، وكلَّ لائحةٍ، وكلَّ إعلانِ... على ضعف مستوى الناس فيها، إلى حين يخرج القمقم من عنق الزجاجة بإذن الله تعالى.

فحين تبلبلَ اللسانُ في بعض البلاد الإسلامية، بل فيها جميعًا، جهِل الناسُ دينهم، وفارقوا قرآنهم، وجفَوا نبيهم، وضيعوا علمهم، واغتالوا حضارتهم؛ فكان الواحد منهم، بخاصَّة الشباب "كالغراب قلَّد مشية الحمام" فنسي مشيته، ولم يحسن مشيتها.

واليوم أسأل نفسي:

كم من شاب مسلم، في البلاد العربية أو غيرها، لديه القدرة على استيعاب ما كُتبَ من علوم بلسانه العربي المبين؟ أو حتى باللسان الفارسي، أو التركي، أو الهندي... لكن، بالحرف العربي؟ (في مكتبة البيروني وحدها 40 ألف مخطوط بالحرف العربي، وبلغات منها عربية، وفارسية، وأوزبكية)

***

علم ضاع، من جيل التجديد إلى جيل الترديد

من أروع ما قرأتُ في "الاستعمار المعرفي والعلمي"، كتاب "تاريخ ضائع: التراث الخالد لعلماء الإسلام ومفكريه وفنانيه" بقلم "مايكل هاملتون مروغان"؛ ولم أشاهد مكانًا في العالم يصدق عليه وصف "تاريخ أو علم ضائع" مثل سمرقند؛ فبعد زيارة لمعلمين بارزين هما: مرصد ألوغ بك، وساحة أو مدرسة ريجستان؛ أصبت بالذهول من هول ما رأيتُ؛ وكنتُ أغلق العين، وأملأ الفراغات بالعلماء الذين كانوا هنا يهدون هدا، وبالطلبة الذين كانوا يدبون دبا، وبحلق العلم، وغرف البحث، وآلات الرصد...

ولقد تحوَّلت هذه المعالم العلمية الرائدة إلى "متاحف سياحية"، وتحوَّلت الأقسام الدراسية إلى متاجر، والمساجد والمصليات إلى معارض، وفقدت بلادنا الإسلامية نضارتها وريادتها العلمية؛ وها هي تجترُّ الماضي، وتعجز عن جعله معيارا للحاضر، ووقودا للمستقبل؛ فبعد أن كان الآباء رواد العالم في جميع العلوم، صار الأبناء كالببغاء يردد ما يقال له، بلا إدراك ولا وعي...

والحقُّ أنَّ أروع وأعظم ما شاهدتُ في رحلتي هذه ليس هو مرصد ألوغ بك، الذي لم يبق منه الكثير من الأثر؛ بل هو "ساحة ريجستان" التي تعتبر قلب العمارة التيمورية التاريخية، وتضمُّ ثلاث مدارس إسلامية عريقة: مدرسة ألغ بك: بُنيت بين عامي (1418-1422م)؛ مدرسة شيردار: تعني "ذات الأسد"، وبُنِيت بين عامي (1619-1631م)؛ مدرسة طلاكاري: تعني "المبنى الذهبي"، وبُنِيت بين عامي (1646-1661م)... فكلُّ مدرسة من هذه المدارس تفوق أفخم جامعاتنا اليومَ في الشكل والمحتوى، ولذا خرَّجت فطاحل العلماء، ورواد العالم في العلوم النقلية والعقلية؛ بينما جلُّ جامعاتنا في العالم العربي والإسلامي - اليومَ - تبحث عن مكان لها في الترتيب العالمي، فتفصل ثيابها على مقاييس عدوها، وتلبِس ما يعجبه ويرضيه، ولا يعنيها أن يليق أو لا يليق بها... فضاع الترتيب، وضاع، وضاع التاريخ.

***

رمتني بدائها وانسلَّت،

أنا لا ألوم طشقند، ولا سمرقند، ولا بخارى... ولو فعلتُ لصدق في المثل العربي القديم: "رمتني بدائها وانسلَّت"، وهو "مثل ٌكما - يعلم الجميع - يُضرب لمن يعيّر صاحبَه بعيبٍ هو فيه أسَاساً، أو من يتَّهم غيَره بالقصورِ أو العيبِ الذي يعاني منه هو بنفسه". فهذه الربوع من يومِ دخلها الإسلام على يد القائد قتيبة بن مسلم الباهلي بين عامي (86-96هـ/705-714م) وهي تعاني الأمرَّين، ويلحقها من الفتن ما يبيد الثقلين، ولا تزال ولن تزال مطمعَ كلّ جبَّار، ومطمحَ كلّ كفَّار.

ومن جمال الإسلام وجلاله أنَّ المسؤولية في كل شيء يتحمَّلها الناسُ جميعًا، مشرقًا ومغربًا، ذلك أنَّ الله تعالى وهب عباده الحرية في الاختيار، ولم يقهرهم ولم يجبرهم على شيء البتَّة؛ فقال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة: 256)

ويقف صاحبُ الفكر، وصاحبُ العلم، وصاحبُ السلطة، وصاحبُ المال... على قدمٍ واحدةٍ حيال "إشكاليات الحضارة"؛ وينبغي أن يجمّعوا قواهم، ولا يرضوا بالعمل الفردي الأعزل، حتى يتمكَّنوا من الانتصار على عدو الله وعدوهم، قال تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (سورة الأنفال: 60)

وأوَّل خطوة في طريق الحضارة والعلوم، أن نعيد اكتشاف أنفُسنا، وتاريخنا، وحاضرنا، ونخطط لمستقبلنا... فجهلنا بجغرافية بلادنا، وبثقافة بلادنا، وما أبدعه علماء أمتنا... في مشرق الأرض ومغربها، جعلنا نعتقد أنَّ الغير فقط هو من أنتج العلوم، وبنى الحضارات... وأنَّنا كنا دوما ولا نزال ولن نزال إلى الأبد تبَّعا، نتلوَّن مع من يتحكَّم فينا، ويقودنا إلى حيث يشاء ويريد.

وهذا الذي حملني إلى هذه الربوع... والله المستعان.

د. محمد بن موسى باباعمي

مستشار معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية، بسلطنة عمان

طشقند؛ الاثنين 23 ربيع الآخر 1448ه/5 أكتوبر 2026م

جميع حقوق الموقع محفوظة 2024