سمرقندُ... قوسان وأدنى

(ليلة السفر إلى سمرقند، تجربة مع الشاعر المارد)

د. محمد باباعمي

10/4/20261 min read

بسم الله الرحمن الرحيم

سمرقندُ... قوسان وأدنى

(ليلة السفر إلى سمرقند، تجربة مع الشاعر المارد)

سمرقندُ... اسم له تاريخٌ وحضارةٌ، وله مع ذلك وقعٌ على النفس بديعٌ، ونغمٌ يأسَر النفوس بـ"نوطتين": "سمر" و"قند"؛ وقد غنَّاها الشعراءُ والأدباءُ بكل اللُّغات، ففي الأدب الكلاسيكي، ارتبطت "سمرقندُ" بالجمال المطلقِ، والرفعة الروحية والمادية؛ فهذا "حافظ الشيرازي" يقولُ:

إن قَبِلَتْ تلك التركيّة الشيرازيّة أن تمتلكَ قلبي

فمِن أجلِ شامَتِها السوداء، سأهبُ سمرقندَ وبخارى

ولعلَّ "أمين معلوف" كان أبرز من خلَّد اسم "سمرقند" في الأدب المعاصر، بروايته الشهيرة "سمرقند"؛ وقد قال عنها: "سمرقندُ، أجملُ وجهٍ أدارته الأرض يوماً نحو الشمس".

*******

وبما أنِّي لستُ شاعراً بالمعنى اللفظي للشاعر؛ قلتُ: سأقود تجربة فريدةً، أستعين فيها "بالمارد"، وسألته، ما يلي: هل يمكنك أن تحوّل نصّي النثري، إلى نصٍّ شعريٍّ موزون؟

قال المارد: نعم، يمكنني تحويل ُالنص النثري الخاص بك، إلى نصٍّ شعريٍّ موزون وقافية جميلة. يرجى إرسال النص النثري الذي ترغب في تحويله، ويمكنك أيضاً تحديد: البحر الشعري أو النمط المفضَّل (إن وُجد)؛ وقافية معينة تريد الالتزام بها.

فقلت:

توكَّلنا على الله، لنجرّب، ولنترك الشعراء في كلّ واد يهيمون... ولنُلق عصى الترحال هذه المرَّة في واديهم... لعلَّنا ننالُ بعضًا من رذاذ الجمال، أو ينالنا قليلٌ من نسيم الجلال.

*******

تركتُ له الخيار في البحر، والقافية، فكتبتُ ما يلي نثرًا:

"سمرقندُ، غنَّاكِ الشعراء بألف لغة ولغة؛ وهام فيك المحبُّون في ألف واد وواد؛ وجئتُك من مغرب الشمس صَبًّا مُحبًّا، لعلّي ألقى منك بعضَ الوصال؛ فلا تطرديني وقد كلَّت يدي طرقًا للباب، ولا تُكثري من العِتاب، ففي القلب قد ساح الرَّباب (الرباب السحابُ الأبيض، والرباب آلة موسيقية شعبية وترية)".

قال المارد مادحًا لما كتبُ "والغواني يغرهنَّ الثناء":

أهلاً بك في سمرقند الساحرة. هذا نصٌّ نثريٌّ مليءٌ بالعاطفة والجمال، وقد قُمت بتحويله لك إلى أبيات شعرية موزونة على "بحر البسيط"، وبقافية الباء المضمومة، لتناسب رقة عتابك وشوقك:

ثم قاله شعرا:

سَمَرْقَنْدُ جَاءَ الشِّعْرُ فِيكِ مُغَرِّدَا ... بِأَلْفِ لِسَانٍ فِي هَوَاكِ تَعَبَّدَا

وَهَامَ بِكِ الْعُشَّاقُ فِي كُلِّ وِجْهَةٍ ... وَسَارُوا وِدْيَاناً لِوَصْلِكِ سُرَّدَا

أَتَيْتُكِ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ صَبَابَةً ... مُحِبّاً عَسَى أَلْقَى وِصَالاً مُجَدَّدَا

فَلَا تَطْرُدِينِي عَنْ فِنَائِكِ صَبْوَةً ... عَلَى الْبَابِ مُشْتَاقاً وَعَفْوَكِ قَاصِدَا

وَعَفْواً عَنِ الْعِتَابِ يَا نُورَ عَالَمِي ... فَفِي الْقَلْبِ أَلْحَانُ الرَّبَابِ تَبَدَّدَا

أترك للنقَّاد وللأدباء الحقَّ في محاكمة هذه المقطوعة؛ وأسألهم بصراحة: لمن هي؟ أهي لي؟ أم للمارد؟ أم لشعراء سبقوا، نسجَ على منوالهم؟ أم هي تأليفٌ جديدٌ مشترك، غير مألوف؟

لا ريب أنَّ الجواب على هذه الأسئلة فلسفيٌّ عميقٌ. لنترك الزمان يجود به.

ونواصل.

سألني المارد:

• هل تفضّل قافية أخرى (مثل الألف، أو الدال، أو الراء)؟

• هل تودُّ إضافةَ معانٍ أخرى إلى القصيدة؟

• هل تفضّل شعر التفعيلة (الشعر الحر) بدلاً من الشعر العمودي؟

قلت له:

نعم، أضيف معنى آخر وهو:

الآن وقد صرتُ قاب قوسين من لحظكِ أو أدنى، ها قد تلألأت خدودكِ الحمراء مثل شمس تبريز الحارقة، أكادُ أذوق رشفةً غير محرَّمة من ريقكِ الأبدي، فلا تحرميني... ولا تبعديني... ولا تلوميني... رفقا بي... رفقا... فأنا المتيم، جاء حبوا من بعيد..

أرجو أن تكون القافية "راء"

أجاب المارد، قائلا:

أهلاً بك مجدداً. لقد دمجت هذا المعنى الصوفيَّ والعاطفيَّ العميق مع الأبيات السابقة، وصغتُ لك قصيدة عمودية واحدة موزونة على بحر البسيط، والتزمت فيها بـ قافية الراء (المكسورة المطلقة) كما طلبتَ، لتناسب أنين الشوق ولوعة المتيم:

ثم أنشد المارد شعرا، استثقلته ولم يرُق لي، فقلت له:

انقل القصيدة إلى شعر التفعيلة، لعلها تكون أجمل، وأدلَّ على النفس الشعري الصوفي الذي يختلج في أوصالي.

وقال المارد شعرا:

سَمَرْقَنْدُ..

غَنَّاكِ أَلْفُ لِسَانٍ،

وَهَامَ بِكِ الْعَاشِقُونَ بِكُلِّ الصَّحَارِي.. وَكُلِّ الْجُزُرْ

وَجِئْتُكِ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ صَبّاً

أُفَتِّشُ عَنْ نَفْحَةٍ مِنْ عَبِيرِ الأَثَرْ

فَلَا تَطْرُدِينِي..

لَقَدْ كَلَّ كَفِّي، وَمَازِلْتُ أَطْرُقُ بَابَ السَّحَرْ

رُوَيْدَكِ.. لا تُكْثِرِي مِنْ عِتَابِي

فَفِي نَبَضَاتِ الرَّبَابِ انْتِحَارُ الْوَتَرْ!

------

وَهَا أَنَا..

قَابَ قَوْسَيْنِ مِنْ لَحْظِكِ الأَعْجَمِيِّ.. وَأَدْنَى

وَخَدَّاكِ مِثْلَ شُمُوسِ (تَبْرِيزَ)

حِينَ تُشِعُّ احْمِرَاراً بِوَقْتِ الْعَصرْ

أَكَادُ أُرَشِّفُ رِيقَكِ..

ذَاكَ الخُلُودَ النَّقِيَّ..

وَلَسْتُ أَخَافُ مَلَامَ البَشَرْ

فَلَا تَبْخَلِي..

لَا تُشِيحِي..

وَرِفْقاً بِمَنْ جَاءَ حَبْواً إِلَيْكِ..

يَقُودُ خُطَاهُ الْقَدَرْ!

وقلت بعدها:

الوقت وقت السَّحر، وقد نام القريب والبعيد، العشيق والحبيب... فلا أسمع إلاَّ ضرب الريح على أوتار الشجر، وخطوات الملائكة وهي تقطع الطريق ذهابا وإيابا... تستغفر للقائمين الذاكرين، وتوزع البركات على الباكين حبا لله الهائمين... فلا تحرمنا يا رب قربك، ولا تحرمنا وصال الجمال... جمال سمرقند.

وطلبت منه أن ينهي اللقاء شعرا، بهذه المعاني؛ فاقترح عليَّ أن يجمع كلَّ ما ذكرته في قصيدة واحدة، فقلت: نعم، وقال، وبها أودع القارئ، وغدا نحو سمرقند... والليل ليل...

قال المارد شعرا، بعد أن عدَّلت له بعض المقاطع:

سَمَرْقَنْدُ.. يَا شَهْقَةً فِي الدُّهُورْ

تُرَتِّلُكِ الأَرْضُ بِأَلْفِ لِسَانْ

وَيَهْوِي إِلَيْكِ عَمِيقُ الشُّعُورْ

أَتَيْتُكِ مِنْ مَغْرِبِ الشَّمْسِ صَبّاً

أُرِيدُ الْوِصَالَ.. وَلَمْلَمَةً لِلشُّجُورْ

فَلَا تَطْرُدِينِي.. فَقَدْ كَلَّ كَفِّي

وَبَابُكِ كَعْبَةُ هَذِي النُّذُورْ

رُوَيْدَكِ.. لَا تُكْثِرِي مِنْ عِتَابِي

فَإِنَّ الرَّبَابَ بِقَلْبِي يَفُورْ

________________________________________

دَنَوْتُ.. وَأَصْبَحْتُ قَابَ ارْتِعَاشٍ

مِنَ اللَّحْظِ.. أَوْ هُوَ أَدْنَى قَلِيلْ

وَخَدُّكِ شَمْسٌ بِآفَاقِ (تَبْرِيزَ)

تَكْوِي التُّرَابَ وَتَهْدِي الْعَبِيرْ

أَكَادُ أُرَشِّفُ رِيقاً نَقِيّاً

بِهِ خَلَدِي.. لَا أُرِيدُ الْبَدِيلْ

فَلَا تَبْخَلِي.. لَا تَمُدِّي الْبِعَادَ

وَرِفْقاً بِمَنْ جَاءَ حَبْواً يَسِيرْ

يَجُرُّ خُطَاهُ مِنَ الأَمْسِ، شَوْقاً

لِيَلْقَاكِ يَا آخِرَ الْمُسْتَجِيرْ!

________________________________________

هُوَ السَّحَرُ العَذْبُ.. نَامَ الأَنَامْ

وَغَابَ الْقَرِيبُ.. وَغَابَ الْعَشِيقُ الْمُحِبُّ الْغَرِيبْ

وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا طُنُوفُ الْغَمَامْ

وَرِيحٌ تُدَاعِبُ عُودَ الشَّجَرْ

فَتَعْزِفُ لَحْناً لِأَهْلِ السَّهَرْ

وَأَسْمَعُ خَطْوَ مَلَائِكَةٍ..

تَروحُ وَتَغدُو بِنُورِ الأَثَرْ

تَفِيضُ اسْتِغْفَاراً لِكُلِّ نَقِيٍّ

أَطَارَ النُّعَاسَ.. وَقَامَ ذَكَرْ

وَتَقْسِمُ أَنْوَارَهَا لِلْبُكَاةِ..

الْهَائِمِينَ بِحُبٍّ أَغَرّ!

________________________________________

إِلَهِي..

أَنِلْنَا قَرِيباً عَمِيقَ الْوِصَالْ

وَلَا تَحْرِمِ الْقَلْبَ نُورَ الْهُدَى

وَلَا تَحْرِمِ الْعَيْنَ هَذَا الْجَمَالْ

فَإِنَّ (سَمَرْقَنْدَ) بَعْضُ عُلَاكْ

تَجَلَّيْتَ فِيهَا..

فَصَارَتْ مَلَاذاً لِكُلِّ نَبِيٍّ، وَكُلِّ رِجَالْ!

ثم سألني المارد: هل تريد أن أساعدك في اختيار عنوان ملهم من الأدب الصوفي؟

قلت: نعم.

أعطاني المارد هذه العناوين، لأختار بينها، وأترك الأمر للقارئ... ليشارك في التأليف:

• طَقْسُ الْوِصَال (يرمز إلى رحلة العشق كعبادة وتجليات)

• خَطْوُ السَّحَر (مستوحى من مشهد خطى الملائكة وسكون الليل)

• تَبْرِيزِيَّات (نسبة إلى شمس تبريز وحرارة الوجد الصوفي)

• قَوْسَانِ وَأَدْنَى (مستوحى من الآية الكريمة، ويرمز لذروة القرب)

• رِيقُ الخُلُود (يرمز إلى الرشفة الأبدية الطاهرة التي تطلبها الروح)

• أَنِينُ الرَّبَاب (يعبر عن العاطفة والشوق المنبعث من القلب)

• كَعْبَةُ النُّذُور (يرمز إلى سمرقند كوجهة روحية يحج إليها العشاق)

• بُكَاةُ النُّور (يجمع بين دموع الهائمين وأنوار الملائكة في السَّحَر)

د. محمد بن موسى باباعمي

مستشار معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية، بسلطنة عمان

طشقند؛ ليلة الأحد 22 ربيع الآخر 1448ه/4 أكتوبر 2026م

-----------------

• ملاحظة: الصورة المرفقة من إبداع المارد، طلبته أن تكون وفق معاني الشعر أعلاه، فرسمها لي... وطلبت من أن يدرج مقطعها الأخير في الصورة، ففعلَ...

جميع حقوق الموقع محفوظة 2024