تأمُّل في "فتح رومية"

خواطر من جوار "مكتبة الفاتيكان البابوية"

محمد باباعمي

6/22/20261 min read

بسم الله الرحمن الرحيم

تأمُّل في "فتح رومية"

خواطر من جوار "مكتبة الفاتيكان البابوية"

الوقت وقتُ الفجر المبارك، وقد صلَّيت الصبحَ حامدا الله على نعمة التوحيد والإسلام، تاليا من سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله جلَّ جلاله: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾.

ثم جلست أتفكَّر فيما جاء في كتاب الله تعالى عن النصارى، وعن التثليت، وعن مريم عليها السلام، وعن صلب عيسى عليه السلام... فما وجدتُ آية واحدة من كتاب الله تعالى لا تعالج النصرانية، سواء أكانت المعالجة مباشرة أو غير مباشرة.

ثم تأمَّلتُ طويلا في بشارة الصادق الأمين، النبي الأمي محمد ﷺ، البشارة بفتح القسطنطينية (استانبول حاليا)، ثم رومية (روما حاليا، وتلحق بها القاتيكان)؛ وفي مصادر السنة النبوية حديثٌ أبي قبيل المعافري، قال: "كنَّا عند عبد الله بن عمرو بن العاص، وسئل أيُّ المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فدعا عبد الله بصندوق له حِلقٌ، قال : فأخرج منه كتابا قال: فقال عبد الله: بينما نحن حول رسول الله نكتب، إذ سئل رسول الله: أيُّ المدينتين تفتح أولا القسطنطينية أو رومية؟ فقال رسول الله: مدينة هرقل تفتح أولا: يعني قسطنطينية".

والبشارة الصادقة في الحديث عن فتح القسطنطينية قد تحقَّقت؛ أمَّا رومية، فلم يكتب لها أن تفتح بعدُ، ونحن على يقين أنَّها ستتحقَّق وستفتحُ، غير أنا لا نعرف كيف ولا متى؟؛ والسؤال مشروعٌ عن كيفية فهمنا للحديث الشريف، ونحن بما جاء رسولنا ﷺ مؤمنون مصدّقون؟ بل إنَّ عقلاء العلماء من النصارى أنفسهم، يعلمون أنَّ محمَّدا ﷺ صادقٌ، لا يكذب؛ أمين، لا يتقوَّل على الله.

بعدَ جولة في معالم الفاتيكان البابوية، وبعدَ ليلة على مشارف أسوار أصغر دولة في العالم، وأكثرها تأثيرا في النصف الشمالي للعالم؛ تيقَّنت أنَّ ما كان عليه دينُ عيسى عليه السلام من عَفاف؛ وما كان عليه دينُ أمّنا مريم عليها السلام من عفَّة؛ كلُّ ذلك قد نُبذ وطُوي وصار حديثا بعد عيانٍ، ولقد أدار الناسُ هنا في رومية - وفي الغرب المسيحي بعامَّة - ظهورَهم للقيم النبيلة التي جاءت بها النصرانية الحنيفية، والتي استأنفتها الشريعة الإسلامية السمحة.

ومن ثمَّ، فإنَّ فتح رومية - في تقديري - لن يأتي من الخارج، ولا بواسطة جيش من الجنود، ولا بأهوال الحروب الدامية، ولا على يد المسلمين اليومَ؛ ولكن سيأتي من الداخل؛ مِن الجفاف الذي أحال قلوبَ الناس صحراء قاحلةً ماحلةً؛ سيأتي من حاجة الناس إلى ملاذٍ آمنٍ، يستنقذهم من بين مخالب العبثية، وينتشلهم من بين أنياب المثلية وما شابهها...

ومن ثم، سيبحثُ الناس المنهَكين عن فردوسٍ أرضيٍّ أدنى يكون طريقَهم وسبيلَهم إلى الفردوس السماوي الأعلى؛ سيبحثون عن قلعةٍ يحتمون بها من ظلم السياسة المادية العلمانية العالمية؛ التي لم تُبق فيهم ولا بينهم ريحا ولا رُوحا؛ فالإنسان اليومَ عبدٌ لشهواته البهيمية، لا بعفوية وسذاجة، ولكن بتقنين صارمٍ ظلومٍ. ولقد استوى الغرب والشرق في ذلك إلاَّ قليلاً.

غير أنَّ هذا الفتح الذي بشَّر به رسول الله ﷺ، أخَّرجه حالُ المسلمين، وأعاقه تخلُّفهم، وشِقاقهم، وانشغالهم بحروبٍ طائفية داخلية مَهينة، وصراعات مذهبية وأيديولوجية حقيرة... انشغلوا بأنفسهم عن العالَم، ونسوا أنَّ الإسلام جاء للناس كافَّة، وللعالمين أجمع... ثم نسوا أنَّ الله تعالى رشَّحهم ليكونوا "شهداء على الناس"، ولقد كان رسولهم الكريم ﷺ "عليهم شهيدا".

ولا بدَّ أن أذكّر قارئي العزيز، بالعلاقة التي بين القسنطينية ورومية من حيثُ المكتبات والعلوم؛ فقد ذكرت المصادر أنَّ مكتبة الفاتيكان أسَّسها البابا نيقولا الخامس، عن طريق عملية بيع وشراء الكتب النفيسة التي ازدهرت ابتداءً من القرن الثالث عشر في أوروبا خصوصًا من مكتبة القسطنطينية والأندلس (وجميعها مكتبات للمسلمين)، ومع حلول عام 1481م كانت مكتبة الفاتيكان أكبر مكتبة في العالم.

وفي مصادر التاريخ الموثوقة تبدأ النهضة الأوروبية من تاريخ 1481م، وليس كما يُعرض في الكتب المدرسية عندنا أنها بدأت مع الثورة الفرنسية (1789-1799م)؛ فالثورة والنهضة كلاهما ثمرة "للكتاب والمكتبة"، نتيجة "لانتقال العلم من الشرق إلى الغرب"، نتيجة حتمية لازدهار "البحث العلمي"، تبدأ الحضارة من تأسيس أكبر مكتبة في العالم، بعد أن كانت بيت الحكمة في بغداد، هي أكبر مكتبة في العالم (400 ألف مخطوط).

واليوم، كذلك، إضافةً إلى الفتح من الداخل، بالعطش إلى روح التوحيد، وإلى ما يقاوم المثلية وتفكك الأسرة؛ إضافةً إلى هذا الفتح، سيكون الفتحُ المبين عبر العلم، ومن خلال الكتاب، وسيلتُه البحث العلميُّ؛ ولذا كان أعظم كتابٍ غيَّر وجه التاريخ، وسيغيّر وجه المستقبل، هو "القرآن الكريم" الذي جعله الله تبارك وتعالى ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.

من هنا، بدأ مشواري...

وعلى الله قصد السبيل

د. محمد بن موسى باباعمي

مستشار معالي وزير الأوقاف والشؤون الدينية، بسلطنة عمان

روما، الفاتيكان؛ صبيحة الاثنين 7 محرم 1448ه/22 يونيو (جوان) 2026م

--------------

للعلم: تحتوي مكتبة الفاتيكان البابوية أكثر من 82 ألف مخطوط، منها الملايين عن العالم الإسلامي، وباللغة العربية حوالي 5 آلاف مخطوط. وبها كذلك 2.6 مليون عنوان، وأكبر مكتبة سرية في العالم، تشغل أكثر من 80 كلم من الأرفف.

جميع حقوق الموقع محفوظة 2024