ومضات من أرض الكنانة (03)
التقنية تغير وجه القاهرة، وتهذب سلوك الإنسان:
د. محمد باباعمي
2/10/20261 min read


ومضات من أرض الكنانة (03)
التقنية تغير وجه القاهرة، وتهذب سلوك الإنسان:
من أجمل الرحلات التي حملتني إلى أرض الكنانة قبل سنواتٍ: رحلتان مع قُطبين عَلَمين من خيرةِ علماء الجزائر: الأولى مع أستاذي الدكتور إبراهيم بحاز، في إطار المعهد العالمي للفكر الإسلامي، وكان السفرُ عبر تونس لحضور دورة المنهجية الإسلامية؛
والثانية مع أستاذي الدكتور محمد ناصر بوحجام، في إطار التخطيط لمشروع "جامعة دار العلوم" بالتنسيق بين مكتب الدراسات (المدرسة العلمية) وإدارة المنار (معهد المنار)، حملتنا رفقة الأخ العزيز عيسى بوراس، من مصر إلى السودان، ثم عودة من السودان إلى مصر.
وإني أعُدُّ كلاًّ من الأستاذين أخًا أكبرَ، ومعلّما وصديقًا؛ والحقُّ أنّي في كل مرَّة أتعلَّم منهما دروس الحياة ودروس العلم، "حين الظعن وحين الإقامة"؛ وليس أنفعَ لطالب العلم من صُحبة عالم في أسفار قريبة وبعيدة؛ أوليس الطالب الفطنُ أبو بكر الصديق رضي الله عنه محقًّا في صحبته لمعلّمه رسول الله محمد ﷺ إلى المدينة المنوَّرة، مهاجرًا ومتعلّما، وراجيا فضل الله تعالى وعينه ورحمته سبحانه؟
وأذكر أنَّنا في مطار القاهرة، أوَّل ما دخلنا أرضَ مصر، وأخذنا سيارة أجرةٍ إلى الإقامة؛ أذكر أننا تجرَّعنا الأمرَّين مع سيارة الأجرة (الطاكسي)، ولقد شاهدتُ الدكتور بوحجام يشتطُّ غضبًا، وهو الهادئ الحليم؛ حتى إنَّ السائق وضعَنا بعيدا عن مقصودنا، فتجرَّعنا الغصصَ، والتعبُ من السفر قد أخذ منَّا كلَّ مأخذ.
وأصدقُ القول، أني هذه المرَّة – وأنا مع الزوجة – كنتُ أتوجَّس خيفة من سيارات الأجرة؛ إلى أن نصحني ناصحٌ باستعمال "الأوبر" (Uber)، فكان لنا نعم المعين، ويسَّر لنا الرحلة أيما تيسير؛ ومن ذلك أنك في كل مرَّة بعد استقالة طاكسي بالتطبيق، تقومُ بتقويم السائق، وإعطائه عددا من النجوم التي يستحقها، من النجمة إلى الخمسة نجوم؛ وإذا منحته نجمةً أو اثنتين تُبين محلَّ الخلل في السائق: التلاعب بالدفع، قدم السيارة ووسخها، الموسيقى الصاخبة، استعمال الهاتف، السياقة المتهورة...
والأمر الثاني الذي يؤرق السائح في مصر – والقاهرة بالخصوص - هو "الصرفُ"؛ ذلك أنَّ الصرفَ يكون في البنك، منخفض القيمة، أو عند الصرافة في الشارع، وهنا لا تأمن التلاعبَ، أنتَ الذي تجهل العُملة، وحقيقة القيمة.
أمَّا اليوم؛ فسعر الصرف في البنك وفي الخارج سواءٌ؛ وتنتشر آلات "الأي تي أم" (ATM) في كل مكان، وتقوم بصرف ما تحتاج إليه في كل مكان تنزله، أو تدفع بالآلة في المحلات الراقية، والمتاحف؛ وبهذا تنجو من كثير من المطبات، ومن المغامرات.
وأقرُّ أنَّ التقنية أحيانًا تهذّب سلوك الإنسان، وأنَّ القيم لا ينبغي أن تُعرض على غربال الفكر والقلب فقط، على أهمية مخاطبة الفكر والضمير؛ وإنما تحتاج في كثير من الأحيان إلى قوانين صارمةٍ، وإلى تقنيات دقيقةٍ؛ فيستقيم الإنسان شاءُ أم أبى، حتى لا يضيع منه نصيبه من الرزق. وهذا درس عظيم استفدته؛ ووجب أن يستفيد منه كلُّ مسؤول، في حدود المسؤولية التي يشغلها. والقاعدة الأصولية حجة في هذا الشأن: "الجمع أولى من الترجيح"؛ فالجمع بين المبادئ والوسائل، أولى من إهمال أحدهما؛ وما شقاء البشرية إلاَّ من الإقصاء والإلغاء، ومن التفضيل بين الثنائيات المختزلة – كما يسميها المسيري -: هذا أو هذا؛ المادة أو الروح، القمة أو القاعدة، القيم أو التنظيم... والصواب هو: هذا وهذا؛ وبذلك يتميز الإسلام عن الشرائع السابقة، وعن الأيديولوجيات العالمية المهيمنة.
والله ولي التوفيق.
محمد موسى باباعمي
القاهرة، مدينة نصر، خلف جامع رابعة العدوية
يوم الجمعة 19 شعبان 1447ه/7 فبراير 2026م
