ومضات من أرض الكنانة (02)

سياحة في عالم الموتى... وعبادة السير في الأرض

د. محمد باباعمي

2/6/20261 min read

ومضات من أرض الكنانة (02)

سياحة في عالم الموتى... وعبادة السير في الأرض:

تعد "الأهرامات" من بين أشهر معالم مصر والعالم أجمع، ومن بين العجائب السبعة في الأرض؛ وهي مقابر بناها ملوك الفراعنة في الدولة القديمة والوسطى، لاعتقادهم الخلودَ والحياة بعد الموت؛ ولذا كانوا يدفنون مقتنياتهم معهم، وأحيانا يدفنون معهم حاشيتهم وخدمهم ليخدموهم حين يحيون...فسياحةُ الأهرام إذن هي سياحة للموتى، ولكن القاهرة ومصر تحوي الكثير من معالم سياحة الموتى غير الأهرام، ومن ذلك:

- "الموميات" المودعة في "المتحف القومي للحضارة المصرية" في الفسطاط؛ وفيها تعرض 22 جثة محنطة من ملوك الفراعنة القدامى، وزوجات الملوك؛ مثل: رع، وحتشبسوت، وتحتمس الثالث، ورمسيس الثاني. وهي مَظهر من مظاهر الموت، حيت تشاهَد تجاعيد وجوههم، وحتى شكلُ شعرهم ونوعه، والندبات والضربات التي تلقوها بخاصَّة إذا كانوا قد قتلوا بحديدة أو ضربة في العنق أو غيره. ومعلوم أنَّ جثة فرعون الأكبر الذي نجاه الله تعالى ليكون عبرة لمن بعده، توجد في هذا المتحف، واسمه رمسيس الثاني؛ قال تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾.

- "مدينة الموتى" ما بين أحياء القاهرة تنتشر مدنٌ شاسعة، مبنية على شكل مساكن أرضية صغيرةٍ، مغلقة الأبواب، وتمتد على أحياء طويلة جدًّا؛ وفيها يُدفن المصريون من المسيحيين في مقبرة المسيحيين، ومن المسلمين في مقبرة المسلمين؛ والعجيب أنَّ العديد من هذه الأحياء يسكن فيها الفقراء إلى اليوم، وتعج فيها الحياة ما بين الموتى؛ وتزاحِم هذه الأحياءُ أجود مناطق القاهرة، وتخترق أكثرها شعبية؛ فلا يبعد أن تكون مثلا في حي شعبي، ثم تجد بابا مكتوبا عليه "مقبرة فلان"، وإذا دخلت وجدت نفسك داخل مدينة بها مساكن، وداخل المساكن مقابر.

- "مقابر كوم الشقافة" في الإسكندرية، مقبرة أثرية تحت الأرض تعود للعهد الروماني اليوناني، تم اكتشافها بالصدفة عام 1892م. تتميز بدمج فريدٍ بين الفنون المصرية واليونانية والرومانية، وتتكون من عدة طوابق منحوتة في الصخر بعمق يصل إلى 35 مترًا، وتضمُّ مقابرَ عائلية وتوابيت، وتقع بمنطقة كوم الشقافة بحي مينا البصل. والقبور منحوتة على صخرٍ؛ وعليها نقوشٌ لآلهة التحنيط، والخدم، والحاشية. وتمتاز بزخارف تجمع بين عقائد الموتى المصرية (مثل أنوبيس) والأسلوب اليوناني.

- "كتاب الموتى": مكتبة الإسكندرية العريقة، تعود إلى عهد البطالمة (حوالي 330 ق.م)، وهي أشهر مركز معرفي في العالم القديم، حيث ضمَّت مئات الآلاف من المجلدات، ومرَّ عليها أشهر العلماء والفلاسفة من العهد اليوناني إلى العهد المسيحي، ومنه إلى العهود الإسلامية الزاهرة بكل أطيافها. وضمن معروضات متحف المخطوطات بالمكتبة، كتابٌ على شكل شريط كبير الحجم، عرف بأنه "كتاب الموتى" أو "الخروج إلى النهار". ويذكر الدكتور حسين عبد الحميد "أنّ أصل هذه النصوص يرجع إلى نصوص الأهرامات التي وُجدت على جدران مقابر الملوك في الدولة القديمة، ثم تطورت إلى نصوص التوابيت في الدولة الوسطى، حتى أصبحت تُجمع في كتاب الموتى خلال الدولة الحديثة (حوالي 1550-50 ق.م)".

- "مقامات الصحابة والتابعين وآل البيت والعلماء" ويذكر أنَّ "قرية البهنسا التابعة لمركز بني مزار بمحافظة المنيا في صعيد مصر، هي أبرز موقع لمقابر الصحابة، وتلقب بـ "البقيع الثاني" أو "بقيع مصر" لدفن آلاف الصحابة والتابعين والشهداء بها، خاصة ممن شاركوا في فتح مصر ومعركة بدر. تضمُّ القرية أضرحة تاريخية تعود للقرن الأول الهجري، وتعتبر مزاراً إسلامياً هاماً". وفي مصر مقامات كثيرة منها مقام الست زينب، ومقام الست رقية؛ وكذا أضرحة العلماء والأيمة من أمثال الإمام الشافعي، والشيخ المرسي، وصاحب البردة الإمام البوصيري الصنهاجي الدلسي، وياقوت العرش وغيرهم كثير.

*

هذه بعض آثار الموتى، وسياحة الموتى، في مصر؛ وقد اقتصرتُ عليها للتمثيل لا للحصر؛ والناظر في كتاب الله تعالى يجد أنَّ "عبادة السير في الأرض" مشروطة بالنظر والاعتبار في أحوال الأمم السابقة، والشعوب البائدة، وإلاَّ كانت مجرَّد ترف وضياع للوقت والمال؛ قال تعالى في سورة آل عمران: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، وفي سورة العنكبوت قال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

ولقد واللهِ استذكرتُ أسماء كبيرة، لطالما تعلقنا بها فكريا، وهي اليوم في عداد الموتى، ممن سكن هذه الأرض الطيبة، وممن مرَّ من هذه البقاع، منهم: ابن الهيثم الذي ألف كتاب المناظر في القاهرة، والشاعر شوقي صاحب البردة، وعباس العقاد صاحب العبقريات، والشيخ محمد الغزالي أديب الدعاة، والشيخ عبد الحميد كشك الداعية المرابط، والعلامة المسيري قاهر الصهيونية، والعلامة جمال حمدان صاحب النماذج؛ والشيخ البشير الإبراهيمي علامة الجزائر، والشيخ أبو إسحاق اطفيش المحقق الكبير، والمفكر مالك بن نبي مهندس الحضارة، والمؤرخ محمد علي دبوز صاحب تاريخ الجزائر الكبير... وغيرهم كثير.

وأكرر ما قاله ابن نبي في إحدى مقالاته، بتصرف وإضافة:

"حين تسافر لا تحمل معك الكاميرا، ولا تشتغل بالتصوير، ولكن احمل معك عقلك وقلبك، لتنظر وتعتبر بهما، ثم تتبع الأسباب لترقى بها".

محمد موسى باباعمي

القاهرة، مدينة نصر، خلف جامع رابعة العدوية

يوم الجمعة 18 شعبان 1447ه/6 فبراير 2026م