وصايا على لسانِ الشهيد

(من وصايا شهيدِ العلم والعمل الدكتور محمد صالح حمدي رحمه الله)

د.محمد باباعمي

6/17/20251 min read

من الناس من تجلس إليه على مقاعدِ الدرس فيعلّمك مما علَّمه الله ولا يبخل...
ومنهم من يعلّمك بسلوكه فيكون لك أسوةً وقدوةً ونعمَ المثل...
ومنهم من تتعلَّم منه من بين ثنايا صفحات الكتب والمؤلَّفات والمذكرات...
غير أنَّ منهم من يجمع كلَّ ذلك فيعلّمك بدرسه وسلوكه وبما تخطُّ أناملُه.
أجزم أنَّ "شهيد العلم والعمل" الدكتور محمد صالح حمدي من الصنف الثالث؛ وأنه خرَّج المئات من الطلبة والطالبات، ونفعَ الناسَ بما علَّمه اللهُ من فوق المنابر دروسًا ومحاضراتٍ؛ ثم إنه قد خلَّف أعمالاً علميَّة ما بين مقالات ومؤلفات؛ فهو في هذا نقطةُ الجمعِ، وبؤرةُ التوحيد؛ ولقد أضاف إلى ذلك أنه نفع الناس حيًّا ووعظهم ميتًا؛ وله بحول الله تعالى من الأجر قيراطٌ بل قراريط: "والله لا يضيع أجر مَن أحسن عملاً".
ونحن نعيشُ صدمةَ المصيبةِ، ونسترجع شاكرين اللهَ على ما قضى وقدَّر؛ لا مفرَّ من كتابة "وصايا على لسانِ الشهيد"، تكون لنا زادًا وبُشرى، وتكون للأجيال الفتية عبرةً وذكرى؛ ولقد ارتأيتُ أن أجعلها عناوين مختصرةً، وقوانين معتصرةً، لتلائم طبيعةَ العصرِ؛ فإنَّ في الأثر عن عليٍّ رضي الله عنه "خاطبوا الناسَ بما يفهمون"، وإنَّ الله تعالى قد أرسل رسوله الكريم ﷺ ليهدي الناس "على لسان قومه"؛ ومن هذه الوصايا:
1. تعلُّقه بالله وحده: مَن عرف الدكتور حمدي وتتبَّع حركاته وسكناته يجدها ثابتة لا تتحوَّل ولا تتبدَّل، ذلك أنها متعلّقة بالله وحدَه؛ وليس فيها مِن شيءٍ للناس أو للعباد، إلاَّ بالقدر الذي يضعُف فيه المسلمُ ثم يؤوب؛ فهي وفق ما أمر الله به ونهى؛ ومن ثمَّ كان دومًا مرتاحَ الضمير، أبدًا صافي الطوية.
2. الجمعُ بين العلم والعمل: من يوم كان الدكتور حمدي طالبًا في جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، كان له دكان للمواد الكهربائية؛ فتراه يتنقل بسيارته من باتنة إلى قسنطينة، ليقتني السلع للدكان، وليحضر الدرس أو المحاضرة في الجامعة؛ فدأب على ذلك إلى أن نال الحسنيين، وفاز بالجائزتين؛ وكانت هذه سمة من سمات حياته، أن يجمع بين العلم النافع والعمل الرافع.
3. التفاؤل وقودُ الحياة: في عصرٍ استشرت فيه الفتنُ، وكثُر التشاؤم واليأسُ والقنوط عند الناس؛ تجد الدكتور حمدي دائمَ التفاؤل، بَشَّ الوجه، يرى العالم بألوانه الزاهية في توسُّط وحكمة، ويجتهد في تناسي المآسي والمحن التي تحيط به، لا لأنه لا يدرك مَداها؛ لكن لتبقى جذوةُ النشاط فيه متَّقدةً، ولا تنطفئ كما انطفأت عند الكثير من الناس وهم في بحار القنوط غارقون.
4. سحرُ الكلمة الطيبة: لا تكاد تلتقي بالدكتور حمدي إلاَّ وتسمعُ منه كلمةً طيبةً، مِن شكرٍ على عملٍ، أو تحسينٌ لموقفٍ، أو إشادةٌ بإنجازٍ؛ ولا أذكرُ يومًا أني سمعتُ منه كلمةً نابية، أو قولاً نشازا؛ فهو بذلك ولذلك يسحَر الناس ويأسرهم، مصداقا لقول الله تعالى: "وقولوا للناس حُسنًا".
5. دائمُ الاستزادةِ، لا يقنع بالقليل: مَن يعرف الدكتور حمدي يشهد له أنه دائم الاستزادة من العلمِ، ودائم الاستزادة من العملِ؛ فهو مثلاً قد انتقل على كبرٍ إلى ماليزيا ليتفرَّس في اللغة الإنجليزية، حين أدرك أنها تُفيده في مشواره العلمي؛ وهو كذلك في جميع مجالاتِ حياته، إلى أن لقي الله وهو - إن شاء الله - عنه راضٍ.
6. لا يعرف كلمة "لا": كان الدكتور حاضرا في كلّ مناحي الحياة، يستجيب لداعي الخير من أي جهةٍ جاءَ؛ ولقد يصل به الحال إلى أن يُرهق نفسَه، ويُكثر من الأسفار والرحلات شرقًا وغربًا، داخلَ الوطن وخارجَه؛ استجابةً لدعوة كريمةٍ لإلقاء درسٍ، أو للمشاركة في مؤتمرٍ، أو إرشاد جماعةٍ؛ ولقد محا من قاموسه كلمة "لا"، فهو كما يقول الشاعر: لولا التشهُّد كانت لاؤه نعمُ.
7. يـُحسن السماعَ، ويـُحسن النقد: كان رحمه الله ممن يحسن السماع لكلّ متحدثٍ، مهما بلغ من العلم أو الشأو، لا فرق بين إنسان وإنسان؛ ثم إذا بدا له نقدٌ تراه يعبّر عنه برفقٍ وتحفُّظ، ولا يصدِم به أحدًا من محاوريه؛ ومن ثم يلقى رأيُه القبولَ، إذ لا يقطعَ فيه، بل يترك مساحةً للصواب من جهةِ الآخَر، وللخطأ من جهته؛ وهذه وأيم الله من الأخلاق النادرة المثال عند أصحاب العلم وأرباب المقال.
هذه جملة من "الوصايا على لسان شهيد العلم والعمل" الدكتور حمدي محمد بن صالح رحمه الله تعالى؛ آثرتُ فيها الاختصارَ، على عادة المتوفى رحمه الله؛ ولو تتبَّعنا مسارَ حياته لاستخلصنا العشراتِ من الوصايا بل المئات؛ غير أنَّ العبرةَ ليست في الكثرة، وإنما العبرة في النافعية والفعالية، وفي وصل العلم بالعملِ...
سائلين الله تعالى أن يرحمه برحمته الواسعة، ويُسكنه فسيح الجنَّات؛ ويُلحقه بالصالحين من عبادهِ؛ ويرزقنا ميتة خفيفةً كمَيته، ويهبَنا حسنَ الخاتمة؛ وأن يُقال له ولنا يوم اللقاء الأكبر: "يا أيتها النفس المطمئنَّة ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيةً، فادخُلي في عِبادي وادخلي جنَّتي".
آمين... آمين... آمين.
محمد بن موسى باباعمي
المكتبة الوقفية، الجزائر العاصمة
الثلاثاء 21 ذو الحجة 1446ه/17 جوان 2025م

جميع حقوق الموقع محفوظة 2024